في المقام وامّا من أراد الدّنيا للآخرة فهو من قسم الثّانى اعني هو ممّن يطلب الآخرة كما انّ محبّ الآخرة والطَّالب بها للدّنيا ملحق بالقسم الاوّل اعني طالب الدّنيا .
إذا عرفت هذا فاعلم انّ المراد بأبنائهما في قوله ( ع ) ليس الَّا متابعيهما فانّ من احبّ شيئا يتبع آثاره بل لا يرى غير محبوبه ومعشوقه فابناء الدّنيا عبارة عمّن كان في حياته غافلا عن الآخرة غير متوجّه إليها سواء كان منكرا لها أو يعتقد بوجودها الَّا انّه لا يعمل لها كما هو شأن كثير منّا وعليه فأبناء الآخرة عبارة عمّن كان متوجّها إلى الآخرة غير غافل عنها وانّما جعل الدّنيا وسيلة وسببا للوصول إلى مقامات العالية في الآخرة لانّ الدّنيا مزرعة الآخرة ثمّ انّ العاقل إذا تفكَّر في الدّنيا وحالاتها وشئونها وأطوارها وانّها في معرض الفناء والدّثور والزّوال والأفول لعلم علما قطعيّا بانّ الدّنيا لا تليق بان يعتمد عليها فانّ الاعتماد على شيء لا بقاء له امر غير معقول وهذا بخلاف الآخرة إذ هي ممّا يليق بالاعتماد والرّكون فيجب عليه ان يختار أبقاهما ، وادومها . وذلك لانّ من تفكَّر في الدّنيا وقنائها وبلوائها وضرّائها وكونها بالآلام والأسقام والآفات والعاهات وشوب سرورها بالغموم وراحتها بالتّعب وصحّتها بالمرض ووصالها بالفراق والهجران ثمّ في ثبوت المعاداة والمنافات وسائر الأوصاف الرّذيلة بين أهلها وانّهم كسباع مسرحة بين اغنام وبهائم يفترسونها ويتعادون بعضهم على بعض وجميع همّهم في طبخ العذرة ، وادخال مبال في مبال وانّهم عمّا قليل يفنون بحيث لا يبقى لهم اسم ولا رسم
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 365
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٣٦٥