ممّا لا كلام لأحد من العقلاء فيهما فانّ الانسان لم يخلق لأجل هذه الدّنيا الدّنية ونعمها الزّائلة الدّاثرة الكثيفة بل خلق لأجل الآخرة والمقام فيها وانّما الدّنيا صارت سببا للوصول إلى الآخرة ولهذا يقال انّ الغرض قد تعلَّق اوّلا وبالذّات إلى الآخرة وثانيا وبالعرض إلى الدّنيا فوجود الدّنيا غيرى ووجود الآخرة اصلىّ ذاتىّ وتوضيح الكلام في المقام يستدعى التّكلَّم فيه - فنقول كلا منافى المقام يقع في مقامين : أحدهما - البحث عن حقيقة - الدّنيا والآخرة وقد تقدّم الكلام فيها مفصّلا عند قوله ( ع ) امّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت وأذنت بوداع ، وانّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطَّلاع وقد أوردنا هناك الآيات والأخبار الواردة في ذمّ الدّنيا ومدح الآخرة ولزوم طرح الدّنيا والاخذ بالآخرة ثمّ اتبعناها بكلمات القوم والاشعار الواردة من العرفاء ، والفصحاء فيهما بما لا مزيد عليه ، وثانيهما - البحث عن لحوق أهل الدّنيا بالدّنيا وأهل الآخرة بالآخرة وكيفيّة ذلك وانّ العقل والشّرع كيف يحكمان فيه وهذا هو المقصود الأصلي من قوله ( ع ) في المقام فليس في كلامه ( ع ) تكرار كما يتخيّل فانّ ادبار الدّنيا واقبال الآخرة شيء وكون التّابع لهما ملحقا بهما لا محالة شيء آخر .
اعلم انّ الانسان يحشر مع ما احبّه في الدّنيا قال رسول اللَّه ( ص ) من احبّ حجرا حشره اللَّه معه ، وقال ( ع ) المرء مع ما يحبّه ومن جملة المحبوبين والمطلوبين للإنسان ايّام حياته الدّنيا والآخرة فمنهم من يطلب الدّنيا وهو المعبّر عنه بالمحبّة ومنهم من يطلب الآخرة كذلك فهو محبّ لها ولا ثالث
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 364
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٣٦٤