لم يقل ولَّت عنه ، حتّى يقال انّ المعنى فيه الأعراض . والدّليل على ما قلناه هو انّه لو قيل وليّت بسمعي كذا وولَّيت عيني وولَّيت بوجهي وأمثال ذلك ليس معناه أدبرت وأعرضت سمعي أو عيني أو وجهي بل المعنى أقبلت به عليه قاله الرّاغب في المفردات ومنه قوله تعالى : * ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) * ، وقوله * ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) * وقوله تعالى * ( وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه ُ ) * ( 1 ) وقوله تعالى : * ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ أللهِ ) * ( 2 ) وغير ذلك من الآيات وغيرها فالمعنى فيها الاقبال وهو ضدّ الأدبار الَّذى ذكروه فيه . قال الرّاغب أيضا في المفردات وتولَّى إذا عدّى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع وإذا عدّى بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الأعراض وترك قربه فمن الاوّل قوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا ) * و * ( مَنْ يَتَوَلَّ أللهَ ورَسُولَه ُ ) * ومن الثّانى - * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ أللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) * وقوله * ( إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ ) * وقوله * ( وأَطِيعُوا أللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ ) * وأمثال ذلك من الآيات والمقصود انّ التّقدير فيها ( عنه ) كما لا يخفى . والمقصود من نقل قوله هو انّ المدّعى امر ثابت لا اشكال فيه وعليه فلا بدّ لنا في شرح كلامه ( ع ) امّا تقدير ( عنه ) بعد كلمة ( ولَّت ) اى ولَّت عنه حذّاء اى ولَّت وأعرضت عن الإنسان بقرينة السّياق وامّا ان تقرء ( ولت ) بالتّخفيف اى تبعت من غير فصل أو نقصت وقلَّت .
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 357
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٣٥٧
هامش
( 1 ) البقرة - 144 .
( 2 ) البقرة 115 .