فقد ظهر ممّا ذكرناه سابقا وآنفا انّ اتباع الهوى وطول الأمل يوجبان الانحراف عن الصّراط السّوى والبعد عن المبدأ الأزلي ومن المعلوم انّ منشاء المعاصي كلَّها هو الأعراض عن الحقّ وعدم التّوجه بوظائف العبوديّة ولاجل ذلك قال ( ص ) وقال ( ع ) انّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان : والحمد للَّه ربّ العالمين .
قوله ( ع ) : الا وانّ الدّنيا قد ولَّت حذّاء فلم يبق فيها الَّا صبابة كصبابة الأناء اصطبّها صابّها
قوله ( ع ) : الا وانّ الدّنيا قد ولَّت حذّاء فلم يبق فيها الَّا صبابة كصبابة الأناء اصطبّها صابّها ، متن : أقول : قد مرّ نظير هذا وهو قوله عليه السّلام امّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وقد مرّ الكلام منّا هناك في ادبار الدّنيا ، والمقصود به تفضيلا والفرق بين الجملتين هو انّه ( ع ) عبّر هناك بقوله ( وآذنت بوداع ) وفى المقام عبّر بكلمة ( حذّاء ) بالحاء المهملة أو ( جذّاء ) بالجيم هذا بالنّظر إلى اللَّفظ وامّا من حيث المعنى فانّه وصف الدّنيا هناك بانّها قد آذنت بوداع ، والإيذان الأعلام والمقصود انّها أعلمت النّاس بالتّوديع وانّها سترحل .
وامّا في المقام فالمعنى انّ الدّنيا قد ولَّت وأعرضت عن النّاس وسارت سيرا سريعا وكم فرق بين الاعلام والوقوع وبعبارة أخرى : بين القوّة والفعل ولذلك قال ( ع ) فلم يبق منها الَّا صبابة إلى آخره هذا كلَّه على مسلك القوم طبقا لظاهر اللَّفظ أو الألفاظ وامّا على مسلكنا الَّذى هو التّحقيق في