حجب التّقليد كالمرآة الخارج عن غلافها وبعد توجيه وجهها شطر الحقّ كالمرآة الَّتى يحاذى بها نحو الصّورة فإذا غلبت القوى البدنيّة على النّفس بحسب دواعيها كالشّهوة والغضب يحتاج المتعلَّم إلى زيادة المشقّة وكثرة التّعلَّم وإذا أغلب العقل على أوصاف الحسّ ودواعيه استغنى الطَّالب بقليل التّعلَّم وربّ عالم تفكَّر ساعة منه خير من تعلَّم سنة من الجاهل .
فقد ظهر انّ بعض النّاس يحصّلون العلوم بالتّعلم وبعضهم بالتّفكر والتعلَّم يحتاج إلى التّفكر من غير عكس هذا في التّعاليم البّشرية .
وامّا التّعليم الرّبانى - من غير واسطة فقد يحصل منه وراء هذه العلوم وهى علوم اخرويّة ظفر بها علماء الآخرة المعرضون عن الدّنيا والزّاهدون فيها وحرّمها اللَّه على علماء الدّنيا الرّاغبون فيها وهى علوم كشفيّة لا يكاد النّظر يصل إليها الَّا بذوق ووجدان كالعلم بكيفيّته حلاوة السّكر الَّتى لا تحصل بالوصف فمن ذاقه عرفه وذلك على وجهين : الوحي - والإلهام .
الوجه الاوّل القاء الوحي - الثّانى الالهام .
امّا الوحي - فهو يحصل للبشر إذا كانت نفسه مقدّسة عن دنس الطَّبيعة ودرن المعاصي مطهّرة عن الرّزائل الخلقيّة مقبلة بوجهها إلى بارئها ومنشئها متوكَّلة عليه معتمدة على إفاضة فاللَّه ينظر إليها بحسن عنايته ويقبل عليها - اقبالا كلَّيا ويتّخذ منها لوحا ومن العقل الكلَّى قلما وينقش من لدنه فيها جميع العلوم له ويتصوّر بصور الحقائق من غير تعلَّم كما في قوله مخاطبا لنبيّه ( ص ) ما
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 348
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٣٤٨