التاسع : من خواصّ النّار انّها أكولة فكل ما تجده تأكله ومع ذلك عمرها قليل لانّها إذا لم تجد شيئا تأكله تموت وتفنى وهذا بخلاف التّراب حيث انّه لا يأكل شيا بل ينمى الأشياء ومع ذلك عمره كثير وبعبارة أخرى النّار تأكل الأشياء والموجودات والتراب يوصل الغذاء إلى الموجودات - وبينهما فرق كثير فانّ ما نفعه أكثر فهو اشرف من غيره . فظهر ممّا ذكرناه انّ التراب في حدّ نفسه أعلى وأشرف من النّار ولذلك اختاره اللَّه تعالى لخلق الآدم دون النّار هذا كلَّه بالنسبة إلى مادة جسد آدم الَّذى قال فيه خلقتني من نار وخلقته من طين ، وامّا روحه فلا كلام لنا فيه إذ معلوم انّه منتسب إلى الحقّ جلّ ثناه وشانه والانتساب دليل على عظمته وشرفه كما مرّ ، والشيطان لم يعلم انّ الامر بالسجود منه تعالى إلى الملائكة باعتبار روح آدم لا باعتبار جسده والدليل عليه قوله * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) * ( 1 ) مع انّ الامر لو كان باعتبار جسده أيضا وقع في محلَّه كما استدلنا عليه فضلا عن روحه فالانسان من حيث المجموع
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 240
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٢٤٠
والمعادن والانسان وهو ظاهر وكلّ ما هو اثره أحسن وافيد فهو أحسن ، وأشرف ، فالتّراب اشرف كما قيل .
تفكَّر في نبات الأرض وانظر
إلى آثار ما صنع المليك
ففي رأس الزّبرجد شاهدات
بانّ اللَّه ليس له شريك
هامش
( 1 ) - سورة الحجر آية 29