فانّ الحركة طلب والطَّلب لا بدّ له من مطلوب وكلّ مطلوب تناله النّفس لا تقف عنده ولا تطمئن دونه حتى تفد على باب اللَّه وترد على جنابه فلا بدّ ان ينتهى المطالب إلى مطلوب به تطمئن القلوب وهو المطلوب لكلّ طالب كما قال تعالى : * ( الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ) * ، هذا بالنسبة إلى النفوس وامّا بالنّسبة إلى سائر الممكنات فقد دريت انّ الممكن ليس الَّا مجرد التعلق والرّبط وليست له شيئية في حدّ نفسه ولذلك نقول كلّ ممكن لا بدّ له من العكوف على بابه وهذا هو المراد بالاستيناس حقيقتا كما انّ الاستيحاش في مقابله اى عدم وصول الممكن إلى كماله المترقّب كما انّ الانس والوحشة الظاهريين يتحققان بمجالسة الافراد ومحادثتهم ومخالطتهم وهذا ظاهر .
إذا عرفت هذا فنقول : كلامه ( ع ) مشعر بانّ الاستيناس والاستيحاش بكلا معنييه عليه محال امّا المعنى الاوّل المتفاهم العرفي وهو الَّذى ذكره الشّارح فظاهر إذ هما بهذا المعنى من لوازم الجسميّة الَّتى لها طبع ومزاج وأمثال ذلك وهو عليه محال ، وامّا بالمعنى الَّذى ذكرناه فلانّه تبارك وتعالى ليس له مطلوب وكمال يطلبه ويترقّى اليه بل هو كلّ الكمال وحقّ المطلوب فاذن لا يتصوّر فيه حركة من النّقص إلى الكمال حتى يكون الوصول اليه موجبا لاستيناسه له واطمينانه به وعدم الوصول اليه وفقدانه يوجب له الوحشة بل ذاته المقدسة كل الكمالات بنحو الأتم الأكمل .
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 153
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص١٥٣