شرح
نعم ، التمييز بين المجتهدين في كل مسألة مسألة مما يتعذر أو يتعسر غالبا ، فيكفي
في استكشاف ذلك الاطلاع على حال المجتهدين في نوع المسائل بالاطلاع على
طرقهم في الاستدلال ومبانيهم العامة في مقدمات الاستنباط ، والاكتفاء بذلك لأنه
المتيسر ، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الاكتفاء في الفحص عن الأعلمية
بالمقدار المتيسر .الثاني : الظاهر أن سيرة العقلاء على تقديم الأعلم في موارد إمكان الاحتياط
مختصة بما إذا كانت الأفضلية بمقدار معتد به ، ولا يكفي فيه الأفضلية بمرتبة
ضعيفة ، بل بناؤهم حينئذ على الاحتياط .
نعم ، مع تعذر الاحتياط لا إشكال ظاهرا في الترجيح بأدنى تفاضل .
لكنه ليس لحجية قول الأعلم وسقوط قول المفضول ، بل للعمل بأقرب الاحتمالين
مع تعذر الاحتياط ، نظير ما يذكر في حجية الظن مع الانسداد .
وحينئذ فالبناء على عموم تعيين الأعلم مبني على الاجماع المدعى على
جواز التقليد للعامي الذي سيأتي الكلام فيه ، فإنه إنما يقتضي التخيير مع التساوي ،
وأما مع التفاضل ولو بمرتبة ضعيفة فالمتيقن حجية الأفضل ، وإلا فلو قيل بالبناء
على مقتضى الأصل في المتعارضين مع التساقط والرجوع للأصول لزم البناء على
ذلك في المقام ، بعد ما عرفت من قصور السيرة ، فلاحظ ، والله سبحانه وتعالى
العالم .الثالث : لما كان الدليل على تقليد الأعلم منحصرا بالسيرة والأصل فهما
مختصان بصورة الاختلاف بين الأعلم وغيره في الفتوى ، أما مع الاتفاق في الفتوى
فالجميع داخل في أدلة الحجية من السيرة والاطلاقات ، والمتعين حينئذ التخيير في
تقليد أي منهم ، كما يجوز تقليد جميعهم في المسألة ، بل يجوز الاكتفاء بموافقتهم
احتياطا من دون متابعة واعتماد على كل منهم ولا التزام بقوله وإن لم يتحقق به
التقليد الذي هو محل كلامهم ، إذ لا يجب عقلا إلا موافقة الحجة في الخروج عن
تبعة العقاب ، ولا دليل على وجوب ما زاد على ذلك .