شرح
ولا إشكال في عدم إرادة الأول في المقام ، لأن الملحوظ في سيرة العقلاء هو
الأقربية للواقع في كل مسألة يرجع فيها ، ولا دخل لكثرة المعلومات بذلك .
ولا الثاني ، لعدم تيسر الاطلاع عليه في كثير من موارد الرجوع إلى أهل الخبرة
مما لا يظهر فيها آثار للواقع ، ليعلم كمية موارد الإصابة بلحاظها ، ومنها المقام .
مع أن المرتكز عرفا أن وجه الترجيح بالأعلمية ليس هو الغلبة ، بل قوة الدليل ،
كأصل الرجوع لأهل الخبرة ، ولذا يرجع للأعلم قبل اختبار حاله ومعرفة كمية موارد
إصابته .
نعم ، قد يستكشف ذلك بغلبة الإصابة لو أمكن الاطلاع عليها ، لبعد كونها
محض صدفة لا ترجع إلى قوة الدليل ، لكنه أمر آخر غير كون المعيار في الأعلمية
على كثرة الإصابة .
وليس المراد في المقام إلا الأمر الثالث ، وهو المراد بقوة الملكة في ما سبق ،
وقوام ذلك متانة الشخص وجودة نظره وحسن فهمه للأخبار وغير ذلك مما يتضح
لأهل الخبرة . وإليه يرجع ظاهرا ما ذكر غير واحد في المقام . قال سيدنا المصنف قدس سره :
( المراد به الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية عقلية كانت أم شرعية ، فلا بد أن يكون
أعرف في أخذ كل فرع من أصله ) .
وبما ذكرنا يتضح أن الأعلمية قائمة بكل مسألة مسألة ، فيمكن اختلاف
الأشخاص في الأعلمية باختلاف آحاد المسائل أو أنواعها ، لاختلاف المسائل في
سنخ الأدلة ، فربما يكون الشخص ماهرا في الاستدلال في بعض المسائل دون
بعض ، نظير ما يذكر في التجزي ، كما فرضه السيد الطباطبائي قدس سره في المسألة السابعة
والأربعين من مسائل التقليد .
واللازم حينئذ التبعيض في التقليد ، لعموم سيرة العقلاء على تعيين الأعلم
عند الاختلاف ، كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره وغيره .
وبها يخرج عن احتمال عدم جواز التبعيض في التقليد ، الذي يلزم مراعاته مع
التساوي ووصول النوبة للتخيير ، كما سيأتي .