شرح
وأما ظهور المقبولة في الترجيح عند الاختلاف في الحكم الكلي فهو وإن كان
مسلما ، إلا أنه لا يجدي بعد اختصاصها بالقضاء الذي يمتنع فيه الحكم بالتخيير ،
لعدم صلوحه لرفع الخصومة ، فالتعدي منه للتقليد بلا شاهد . مع أنها إنما تقتضي
ترجيح الأعلم من الحكمين ، لا الأعلم من جميع الناس ، الذي هو المدعى في المقام ،
كما نبه له بعض مشايخنا .
بل إطلاقات أدلة النصب ظاهرة في عدم اختصاص المنصب بالأعلم ، بل تعم
غيره وإن خالف الأعلم في الفتوى .
ومما ذكرنا يظهر حال الاستدلال بما عن أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى
الأشتر : ( اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك ) ، مع أنه وارد في تكليف إداري
خاص ، فلا يكشف عن الحكم الشرعي في القضاء فضلا عن التقليد . ولذا لا ينافي
الاطلاقات المقتضية لنفوذ قضاء المفضول .
الثالث : ما عن أمير المؤمنين عليه السلام - كما عن نهج البلاغة - . ( أولى الناس بالأنبياء
أعلمهم بما جاؤوا به ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) ( فإن المراد به وإن
كان شخصه عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام ، إلا أن الاستدلال به - كما ذكره شيخنا الأستاذ
دامت بركاته - بلحاظ الكبرى الراجعة إلى أولوية الأعلم . وليس المراد من أولويته
بالنبي صلى الله عليه وآله قيامه مقامه في مناصبه ، ليكون المراد به الإمامة والخلافة العظمى ، بل
قيامه مقامه في أداء حكم الله تعالى لعباده وتبليغهم به ، لأنه المناسب لذكر الأعلمية
في الأحكام ، إذ الخلافة من حيث هي لا تناسب ذلك . وذلك في عصر الحضور
مختص بالأئمة عليهم السلام وفي عصر الغيبة ينتقل إلى علماء الأمة ، فالأعلم منهم هو
الأولى ببيان الأحكام والفتوى بها .
وفيه : أن إطلاق الأولوية بالنبي صلى الله عليه وآله ظاهر في إرادة الخلافة العظمى ، ولا
مجال لانكار المناسبة بينها وبين الأعلمية بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ، ضرورة أن منصب
الخلافة يبتني على حفظ الأحكام الشرعية ورعايتها وتنفيذها في الأمة ، وهو يناسب
اعتبار العلم بها جدا ، وعليه يبتني ما ذكره علماء الإمامية من لزوم كون الإمام أعلم