شرح
إن قلت : يكفي في ذلك مثل آية سؤال أهل الذكر ، فإن وجوب السؤال فيها
مختص بالواقعة الأولى ، إذ لا معنى لوجوبه بعد العلم بالفتوى ، فلو كانت الحجية
تابعة لوجوب السؤال حدوثا وبقاء لزم عدم حجية الفتوى حتى في الواقعة الأولى ،
لسقوط وجوب السؤال بتحقق السؤال قبل العمل ، فلا بد من أن يكون حدوث
وجوب السؤال كاشفا عن حدوث الحجية وبقائها ، وحينئذ فمقتضى الاطلاق بقاء
الحجية واستمرارها لجميع الوقائع حتى المتجددة بعد موت المفتي .
قلت : لما كان وجوب السؤال طريقيا لأجل العمل كان الظاهر منه الحجية
بلحاظ ما هو محل الابتلاء من الوقائع التي يتنجز حكمها ، ويجب السؤال لأجلها لا
غير . فكل واقعة تقع مورد الابتلاء يتحقق موضوع وجوب السؤال عن حكمها ،
فيستكشف منه حجية الجواب والفتوى فيها فقط ، ولا إطلاق يقتضي بقاء الحجية
واستمرارها في غير الواقعة التي هي محل الابتلاء ووجب طريقيا السؤال عنها .
وعدم وجوب السؤال في الوقائع اللاحقة المتجددة في حياة المفتي مع العلم
بالفتوى بسبب السؤال في الواقعة الأولى ليس لعدم تحقق موضوع وجوب السؤال
في الوقائع المذكورة ، ليمتنع استكشاف الحجية فيها - ويتعين استكشافه من وجوبه
في الواقعة الأولى - بل لأجل عدم الفائدة في السؤال ، نظير ما لو سبق منه تعلم الفتوى
لا لأجل العمل - ولو لعدم كون المفتي أهلا للتقليد حينئذ - فإنه لو أراد الرجوع إليه
بعد ذلك لا يجب سؤاله ، إلا أن تحقق موضوع وجوب السؤال في حقه بسبب ابتلائه
بالواقعة واحتياجه للفتوى لأجل العمل كاف في استكشاف الحجية حينئذ .
وبعبارة أخرى : الحجية إنما تستكشف من تحقق موضوع وجوب السؤال
وإن لم يجب فعلا بسبب عدم الفائدة فيه ، لسبق العلم بالفتوى - ولولا لأجل العمل -
ومن الظاهر أن موضوعه ليس هو عدم العلم بالفتوى ، بل عدم العلم بالواقع مع
الحاجة للفتوى في مقام العمل ، للابتلاء بالواقعة مع أهلية المفتي ، ومن الظاهر أن
الموضوع المذكور حاصل في كل واقعة متجددة في حياة المفتي ، فيستكشف منه
حجية الفتوى فيها لا غير ، فإذا خرج المفتي عن الأهلية ، لانسلاخ العنوان عنه بموت