شرح
المقام مما احتمل فيه وجوب العدول ، لاحتمال مانعية الموت مطلقا ، ودلالة
الاطلاقات على عدم مانعيته لا تنفع بعد قصور الاطلاقات عن صورة التعارض بين
المجتهدين واختلافهم في الفتوى .
ثم إنه سبق من بعض مشايخنا الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت ابتداء
بقصور الأدلة الشرعية عنه ، لأنه قد اعتبر في المرجع عناوين خاصة ، كالفقيه والعالم
وأهل الذكر ، وهي لا تصدق على الميت ، ومع ذلك التزم بجواز البقاء على تقليده
بدعوى : أن إطلاق الأدلة المذكورة إنما يقتضي اعتبار العناوين المذكورة حين
الرجوع للمجتهد ، لا حين العمل بقوله ، بل مقتضى إطلاقها حجية قوله بعد الرجوع
له ولو في ما يتجدد من الوقائع بعد موته .ومن ثم قال : ( يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى
للعمل وكونه ذاكرا لها ) .
وكأن اعتبار تذكره لها لأنه لو نسيها يكون تعلمه لها رجوعا جديدا ، فلا يجوز
إذا كان المرجع ميتا لعدم صدق العناوين المذكورة عليه .
وفيه : أولا : أنه لا إشكال في عدم أخذ عنوان الرجوع شرطا في حجية فتوى
المفتي ، بل تكون فتواه حجة ولو لم يرجع إليه ، ولذا يكون المكلف مقصرا لو لم
يرجع لواجد الشرائط ، وليس الرجوع إلا عنوانا منتزعا من متابعة المجتهد في العمل
التي هي من آثار حجية فتواه المتفرعة عليها ، ومثلها وجوب سؤاله والأخذ منه
وتقليده وغير ذلك ، مما اشتملت عليه الأدلة الشرعية ، فهي بأجمعها من آثار الحجية
لا من شروطها .
وحينئذ فإن استفيد من الأدلة اعتبار العناوين المذكورة - من العالم والفقيه
وغيرهما - حين صدور الفتوى - كما سبق تقريبه - تعين جواز الرجوع للميت ابتداء ،
وإن استفيد منها اعتبارها حين العمل بالفتوى تعين المنع من البقاء على تقليده .
نعم ، قد يقال : إن وجوب الرجوع وإن كان متفرعا على الحجية ثبوتا ، إلا أنها
متفرعة عليه إثباتا ، لأنها استفيدت من أدلته ، وحينئذ فالمتيقن هو حدوث الحجية