شرح
ومنه يظهر حال السيرة التي استدل بها في الجواهر على جواز الجرح ، فإن
المتيقن من سيرة المتدينين هو الجرح في المورد المذكور ونحوه .
والذي تحصل من جميع ما ذكرنا : أنه لا طريق لاثبات جواز الجرح مطلقا ،
والمتيقن جوازه في مورد وجوب أداء الشهادة ، وفي ما لو لزم من تركه محذور مهم
يجب دفعه على الجارح .
ثم إنه قد عمم غير واحد الجواز لجرح الرواة ، بل ذكر شيخنا
الأعظم قدس سره وغيره أنه أولى بالجواز من جرح الشهود .
وكأنه لأهمية ما يترتب عليه من معرفة أحكام الدين وحفظ شريعة سيد
المرسلين صلى الله عليه وآله ، ومن ثم جرى عليه الأصحاب من قديم الزمان ، وكفى بسيرتهم
حجة في المقام ، لكشفها عن المفروغية عن الجواز عندهم بنحو يكشف عن قصور
عمومات الحرمة .
لكن لا يخفى أن الجرح بعدم الايمان خارج عن محل الكلام ، لما تقدم من
اختصاص الحرمة بالمؤمن ، وكذا الجرح بالأمور الظاهرة ولو مع عدم التجاهر ، لما
تقدم من جواز ذكر الأمر الظاهر مطلقا ، وكذا الجرح بالكذب في الرواية ، لما تقدم من
الحاقة بالمبدع .
ومثله الجرح بعدم الوثوق إذا لم يرجع إلى إثبات ما ينفي الوثوق به من
العيوب ، بل إلى محض عدم الوثوق لعدم وضوح حال الرجل ، أو لاضطراب ما اطلع
عليه من حاله ، لأن ذلك ليس من العيوب ، بل غاية الأمر أنه مناف للكمال .
وكذا الجرح بمثل كونه لا يبالي عمن أخذ أو بأنه يروي المناكير ، لعدم وضوح
كونه من العيوب الموهنة للشخص المسقطة لمروءته ، بل هو من سنخ العيوب
الخاصة بالراوي من حيث هو راو ، بل لعله ليس من سنخ العيب فيه ، بل مناف
للكمال ، خصوصا إذا كان مبنيا على الاجتهاد والحدس من الجارح ، لانصراف
نصوص الإعابة وهتك الستر ونحوها إلى اثبات العيب للشخص ، لا تشخيص حال
ما هو الثابت له .