شرح
وكأن منشأ شدة الخلاف بينهم في المقام وإطالة النقض منهم والابرام - كما
يظهر من الجواهر وغيره - هو تخيل أن مراد القائلين بالملكة هو لزوم قوتها بنحو
يمتنع أو يعسر الوقوع في جميع المعاصي على كل حال ، أو مرادهم لزوم إحرازها
بالعلم بسبب المعاشرة والمخالطة الموجبة للاطلاع على الخفايا والبواطن ، وتخيل
أن مراد القائلين بترك المعاصي مجرد تركها ولولا لداع إلهي ، أو لداع إلهي ليس له
بنحو من الاستحكام والثبوت ، وتخيل أن مراد القائلين بحسن الظاهر أو بعدم ظهور
الفسق كون ذلك هو مفهوم العدالة ثبوتا .
فإن وضوح بطلان الأمور المذكورة ومنافاتها للأدلة وشدة الخلاف العملي
بينها يوجب استهجان القول بها وشدة النكير على القائل .
مع أن المظنون قويا تقارب مراد الكل ورجوعه إلى أمر واحد ، وهو كون
العدالة من الأمور الواقعية الراجعة إلى غلبة ترك المعاصي بسبب الدواعي الإلهية
الكامنة في النفس التي لها نحو استحكام فيها ، ويكفي إحرازها بالطرق الشرعية التي
تقدم الكلام فيها في المسألة التاسعة عشرة .
إذا عرفت هذا ، فيكفي في الدليل على ما ذكرنا في مفهوم العدالة أدنى نظر
وتأمل في المرتكزات والأدلة ، فإن مرجع ما ذكرنا إلى أمور ثلاثة . .
الأول : ترك المعاصي .
الثاني : استناد الترك عند الابتلاء بالمعصية إلى الدواعي الإلهية .
الثالث : استحكام الدواعي المذكورة وغلبة تأثيرها .
أما الأول فلأن العدالة لغة الاستقامة والقصد وعدم الجور ، وهي من الأمور
الإضافية المختلفة باختلاف الأعراف ، فلا بد من حملها في كلام الشارع على
الاستقامة بنظر الشارع ، وذلك إنما يكون باتباعه وعدم الخروج عن الطريق الذي
رسمه لعباده .
وأما الثاني فلأن من المرتكز أن العدالة ليست من الصفات المشتملة على
الحسن الفعلي فقط ، بل هي متضمنة مع ذلك للحسن الفاعلي بنحو تقتضي مدح