شرح
الأول : أنه إن أريد بالملكة ما تقتضي الانبعاث لترك المعاصي وإن لم توجبه
فعلا لوجود المزاحم من الشهوة والغضب كان القول الخامس أخص من هذه
الجهة ، وإن أريد بها ما يوجب فعلية الانبعاث لقوتها وعدم تأثير المزاحم مهما كان
قويا كان القول الخامس أعم ، ضرورة أن ترك المعاصي قد يكون لعدم المزاحم أو
لضعفه بنحو لو فرض وجود المزاحم أو قوته لوقع المكلف في المعصية .
الثاني : أن ترك المعاصي قد لا يكون مسببا عن الملكة الرادعة ، بل لوجود
الصوارف النفسية عن الحرام أو لعدم تهيئه .
لكن يندفع الأول - بعد معلومية أن مراد القائلين بالملكة ما توجب فعلية
الانبعاث ، لا مجرد المقتضي له - : بأن من القريب أن لا يكون مراد القائلين بالملكة
هي الباعثة لترك جميع المعاصي على كل حال ، لمساوقتها للعصمة وعدم تحققها إلا
للأوحدي ، فكيف يمكن توهم إناطة الأحكام العملية الكثيرة بها ، بل مرادهم بها هي
الموجبة لغلبة ترك المعاصي ولو لعدم الابتلاء ببعض المحرمات أو لضعف
المقتضي لها ، بنحو تكون الملكة مؤثرة بالفعل غالبا ومقتضية للعزم على ترك
المعاصي وإن كانت ضعيفة في نفسها مغلوبة عند قوة المزاحم .
ويندفع الثاني : بأن من القريب جدا أن يكون مراد أهل القول الخامس هو
اجتناب المعاصي من حيث كونها معاصي ، بنحو يكون عنوان المعصية دخيلا في
اجتنابها ، وهو ملازم لوجود داع نفسي للترك خصوصا مع ابتلاء المكلف بالمعاصي
وبالدواعي الشيطانية المقتضية للمعصية ، فإن تجنب المعاصي حينئذ لا يكون إلا مع
قوة الدواعي الإلهية النفسية المقتضية للطاعة . بل صرح بعض مشايخنا بأنه لا بد من
استناد الترك للخوف من الله سبحانه وتعالى بنحو مستحكم في النفس ، بحيث يكون
ذلك طبيعة ثانية للمكلف ، ومن القريب جدا أن يكون مراد القائلين بالملكة هو
الداعي النفسي المذكور وليس أمرا وراء ذلك .
وعليه فلا فرق بين القولين عملا ، وإنما الفرق بينهما لفظي صرف أو مفهومي
فقط ، وهو مما لا ينبغي الاهتمام به في ما نحن فيه .