شرح
القيد مع دلالة بعض النصوص على جواز الافتاء عن علم بالمنطوق .
ولكن الاستدلال بها على جواز التقليد إنما يتم فيما إذا كان واردا في الفتوى
لأجل العمل ، وهو غير ظاهر من كثير من النصوص الناهية عن الفتوى بغير علم
والمبيحة لها عن علم ، لامكان كون وجه الحرمة لزوم الكذب في الدين الذي هو من
أعظم المحرمات وإن لم يستتبع العمل ، كما لو صدر ممن ليس أهلا للتقليد .
نعم ، ظاهر بعض النصوص إرادة الفتوى للعمل ، مثل ما تضمن أن المفتي
ضامن ، وأن عليه وزر من عمل بفتواه ، ومثله ما تقدم من أمر أبان بالجلوس للفتوى ،
وتقرير معاذ على ذلك ، لما هو المعلوم من أن الجلوس للفتوى إنما يكون لعمل
الناس بها ، فيدل بالملازمة العرفية على جوازه وإمضاء السيرة على ذلك ، لولا ما
عرفت من احتمال خصوصية الشخص .
وقد تحصل من جميع ما ذكرنا : أن العمدة في المقام هي سيرة المتشرعة ، وآية
النفر ، والنصوص المشار إليها في الوجه الرابع ، ونصوص الترخيص في الفتوى في
مقام العمل ، وأن الأدلة المذكورة واردة مورد الامضاء لسيرة العقلاء والجري عليها ،
فلا تنهض بإثبات جواز التقليد في غير موردها ، كما أشرنا إليه في أول المسألة .
كما ظهر - أيضا - أن عموم الحجية تابع لعموم السيرة ، ولا مجال لدعوى لزوم
الاقتصار على خصوصية موارد الأدلة المتضمنة للامضاء ، فإن ذلك إنما يتم إذا لم
يظهر من الأدلة المفروغية عن السيرة ، وعن نفوذها وإمضاء مضمونها أما بعد فرض
ظهورها في ذلك فهي ظاهرة في عدم الخصوصية لمواردها ، وإلا كان عدم التنبيه
على الردع تغريرا ، فإن المكلف بحسب طبعه يجري على حسب ارتكازاته ،
فمع ظهور حال الشارع في المفروغية عن لزوم ذلك عليه ، فالخصوصية لتلك
الموارد مما يغفل عنها ، فيكون عدم التنبيه لدخلها تغريرا منه له .
وعلى ذلك يكون مقتضى القاعدة الأولية الجري في التقليد على مقتضى
السيرة ما لم يثبت الردع عنها ، كما هو الحال في سائر السير المستفاد إمضاؤها من
قبل الشارع ، كسيرتهم في حجية الظواهر وخبر الواحد وغيرهما .