شرح
الأصول مقصود بالذات لمالكها أيضا كالثمرة ، فلا يجوز أن يعامل عليها بغير إذنه ، لاختلاف الناس في العمل ، وتفاوت الأغراض فيه . ويعلم من هذا أن البذر لو كان
من رب الأرض لم يجز للعامل مزارعة غيره . وقد تقدمت ( 1 ) الإشارة إليه .
وربما أشكل الحكم فيما لو ظهرت الثمرة وبقي فيها عمل يحصل به زيادة فيها ،
فإن المساقاة حينئذ جائزة ، والعامل يصير شريكا فيها ، فتسلطه عليها بالعقد كتسلط
المزارع على الأرض ، وكلاهما مقصود بالعرض ، والمقصود بالذات هو الثمرة ، وهي
مملوكة للعامل ، لأنه إذا ساقى حينئذ لا تحصل ( 2 ) الحصة إلا مما يملكه ، إذ ليس له
تصرف في مال المالك ، وعمله متعين عليه .
فإن قيل : إن المعاملة لا تكون إلا على الأصول كما قد علم ، وهي ليست
مملوكة له ، فلا ينفعه ملك النماء .
قلنا : وكذلك المعاملة في المزارعة إنما هي على الأرض ، وهي ليست مملوكة له ،
وتسلطه على البذر كتسلطه على الثمرة هنا ، إذ لا ينقل منها إلا ما هو ملكه .
وربما قيل بأن ملك الأرض ليس بشرط في صحة المزارعة ، بل يكفي فيها
اشتراكهما في باقي الثلاثة التي يحصل بها الزرع ، وهي البذر والعمل والعوامل . وعلى
هذا ، الفرق سهل ، لأن متعلق المساقاة الأصول فيعتبر من مالكها ، ومتعلق المزارعة
البذر فيعتبر من مالكه خاصة ، إلا أنا قد بينا سابقا أن ملك الأرض معتبر في
صحتها ، بل حقيقتها شرعا ليست إلا المعاملة عليها على الوجه المذكور ، ومع ذلك
يقع الاشكال في صورة يكون مالكا للأرض .
والأجود ما تحصل من الجواب بأن الأرض لا يقصد عملها بالذات ، وإنما
يقصد الزرع ، فالعبرة فيه بمالك البذر . وفي المساقاة يقصد بالعمل الأصول والثمرة
معا كلاهما بالذات ، فلا يقع إلا من مالكه أو من يأذن له .
هامش
( 1 ) في ص : 33 .
( 2 ) في " ن " و " ب " : لا يجعل .