شرح
ثم المالك يدعى عليه عوض ما استوفاه من ملكه ، وهو ينكر استحقاقه .
والأصل يقتضي عدم وجوبه ، وبراءة ذمة الراكب منه ، فيكون القول قوله . والمالك
يدعي شغلها ، فيحتاج إلى البينة .
ويشكل بأن المنافع أموال كالأعيان ، فهي بالأصالة لمالك العين ، فادعاء
الراكب ملكيتها بغير عوض على خلاف الأصل . وأصالة براءة ذمته إنما تصح من
خصوص ما ادعاه المالك ، لا من مطلق الحق ، بعد العلم باستيفائه المنفعة التي هي
من جملة أموال المالك وحقوقه ، والأصل يقتضي عدم خروجها عن ملكه مجانا ، فمن
ثم ذهب المصنف وقبله ابن إدريس ( 1 ) إلى تقديم قول المالك في عدم العارية ، وإن
لم يقبل قوله فيما يدعيه من الإجارة ، لأنه مدع أيضا فيحتاج إلى البينة ، كما أن
الراكب مدع للعارية فلا يقبل قوله فيها ، فإذا حلف المالك على نفي العارية لم تثبت
الإجارة ، ولكن يثبت كون الراكب تصرف في ملكه بغير تبرع منه ، فيثبت عليه أجرة
المثل .
ويشكل بما لو كان ما يدعيه من الأجرة أقل من أجرة المثل ، لاعترافه بنفي
الزائد ، فينبغي أن يثبت له بيمينه أقل الأمرين مما يدعيه وأجرة المثل ، لأن الأقل إن
كان ما يدعيه من الأجرة فهو يعترف بعدم استحقاقه سواه ، وإن كان الأقل أجرة
المثل فلم يثبت بيمينه سواها ، إذا لم تثبت الإجارة ، وإنما لزم تصرف الراكب في ماله
بغير إذن المالك على وجه التبرع .
وهذا هو الذي اختاره العلامة في القواعد ( 2 ) ، وهو أجود من السابق ، إلا أنه
يشكل بأن المالك يدعي الزائد من الأجرة عن أجرة المثل على تقدير كون المسمى
أكثر ، والراكب ينفيه ، فلا بد من وجه شرعي يقتضي نفيه ، وحلفه على نفي الإعارة
لم يدل على نفي الإجارة ، كما لم يدل على إثباتها . وإثبات أقل الأمرين باليمين مسلم
هامش
( 1 ) السرائر 2 : 431 و 432 .
( 2 ) قواعد الأحكام 1 : 194 .