الخامسة : إذا أسلفه في طعام بالعراق ، ثم طالبه بالمدينة ، لم يجب
عليه دفعه . ولو طالبه بقيمته ، قيل : لم يجز ، لأنه بيع الطعام على من هو
عليه قبل قبضه . وعلى ما قلناه يكره .
شرح
قليل .
ويمكن توجيهه بوجه لا يحصل به التعارض ، بأن يقال : إنه عند قبضه للحق
وقبل دعواه الاختبار المؤدي إلى النقصان كان يعترف بوصول حقه إليه وقبضه له
كملا ، فإذا ادعى بعد ذلك النقصان كان مدعيا لما يخالف الأصل ، إذ الأصل براءة
ذمة البائع من حقه بعد قبضه ، ويخالف الظاهر أيضا كما قلناه ، فيبقى الأصل
والظاهر على خلاف دعواه .
فإن قيل : هذا يستلزم قبول قول البائع مطلقا لعين ما ذكرتم من التعليل .
قلنا : إذا لم يحضر المشتري الاعتبار لا يكون معترفا بوصول حقه إليه ، لعدم اطلاعه
عليه ، حتى لو فرض حصول ما يقتضي الاعتراف يكون مبنيا على ظاهر الحال ،
ومعتمدا على قول غيره الذي يمكن تطرق الخلل إليه كثيرا ، بخلاف ما لو حضر .
وأيضا فإن البناء على ظاهر الحال لا يقتضي الاقرار بوصول حقه إليه بوجه ،
حتى لو صرح بأن الذي وصل إلى تسلمته على أنه مجموع المبيع بناء على الظاهر
وركونا إلى قول الغير ، لم يكن اقرارا بوصول جميع حقه إليه . بخلاف ما لو أقر بقبض
الجميع بناء على حضوره الاعتبار ، فإنه يكون اقرارا صحيحا ، فتحقق الفرق . ولو
أنه مع فرض حضوره ادعى عدم قبض جميع حقه محولا لها عن دعوى الغلط ، قبل
قوله أيضا لأصالة عدم قبض الجميع . وما ذكر من الأصل الآخر والظاهر منتف هنا ،
إذ لا يلزم من حضور المشتري الاعتبار قبضه لجميع حقه . وهو واضح . وهذه من
الحيل التي يترتب عليها الحكم الشرعي ، فإنه مبني على القواعد الظاهرة المنضبطة .
قوله : " إذا أسلفه في طعام بالعراق . . . الخ " .
إنما لم يكن عليه دفعه في غير بلده ، لأن مال السلم يتعين دفعه في بلده عند
الاطلاق ، وفي موضع التعيين إن فرض ، على ما يأتي من التفصيل . وعلى كل حال
فدفعه في غير بلد يتعين دفعه فيه غير واجب ، سواء كانت قيمته في بلد المطالبة مخالفة