الطرف الثاني
في كيفية قتال أهل الحرب
والأولى أن يبدأ بقتال من يليه ، إلا أن يكون الأبعد أشد خطرا .
ويجب التربص إذا كثر العدو وقل المسلمون ، تحصل الكثرة
للمقاومة ، ثم تجب المبادرة .
شرح
وأيضا فالمكنة مختلفة في الموضعين ، فإن المراد منها في الأول القدرة على مدافعتهم
وردهم عن بلاد الاسلام وكف أذاهم ، وفي الثاني القدرة على مقاومتهم وقهرهم ،
بحيث يقتلوا ، أو يسلموا ، أو يلتزموا بشرائط الذمة إن كانوا من قبيلها .
والتحقيق أن الوجوب كل عام مرة ليس مطلقا في الوجود والعدم ، بل يجب
الزيادة عليها مع الحاجة إليه ، كخوف قوة العدو مع الاقتصار عليها ، وأدائه إلى
ضعف المسلمين عنهم ، ونحو ذلك . ويجوز تركه في السنة والسنين أصلا مع العذر ،
مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة ، أو لحصول مانع في الطريق من عدم
الماء ونحوه ، أو رجاء رغبة العدو في الاسلام زيادة على حالة قتالهم ، ونحو ذلك مما
يراه الإمام من المصلحة ، فيجوز حينئذ تركه بهدنة وغيرها ، كما صالح النبي صلى الله
عليه وآله وسلم قريشا عشرين سنة ( 1 ) ، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده وأخر قتال
قبائل من العرب بغير هدنة . وأما إذا بدأ العدو بالقتال وجب جهاد مع الامكان
مطلقا .
قوله : " والأولى أن يبدأ بقتال من يليه . . . الخ " .
هذا الحكم على وجه الوجوب ، لقوله تعالى : * ( قاتلوا الذين يلونكم من
الكفار ) * ( 2 ) والأمر للوجوب . ويستثنى من ذلك ما لو كان الأبعد أشد خطرا ، فإنه
يسوغ حينئذ الانتقال إليه كما فعل النبي صلى الله عليه وآله بالحارث بن أبي
ضرار ، لما بلغه أنه يجمع له ، وكان بينه وبينه عدو أقرب ، وبخالد بن سفيان
هامش
( 1 ) لا شك أن المراد به صلح الحديبية ، والوارد في كتب السير والتاريخ أن مدته عشر سنين . راجع سيرة
ابن هشام 2 : 317 والكامل 2 : 204 وغير ذلك .
( 2 ) التوبة : 123 .