شرح
تعالى فيه حق وإن كان مشتركا ، كحد القذف ، والوقف على منتشرين ، والعتق ،
والوقف على معين إن قلنا بانتقال الملك إلى الله تعالى . وتسمى الشهادة على هذا
القسم على وجه المبادرة شهادة الحسبة .
فالمبادر في القسم الأول لا تقبل شهادته . وفي الخبر أنه صلى الله عليه
وآله قال في معرض الذم : ( ثم يجي قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها ) ( 1 ) .
وفي لفظ آخر : ( ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد ) ( 2 ) . وروي
أنه صلى الله عليه وآله قال : ( خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ) ( 3 ) .
فجمع بين الحديثين بحمل الأول على الأول ، والثاني على الثاني .
والمصنف - رحمه الله - تردد في عدم المنع في القسم الثاني . ووجه التردد
من عموم الأدلة الدالة على الرد ، وتطرق التهمة ، ومن ثبوت الفرق الموجب
لاختصاص الحكم بالأول ، لأن هذه الحقوق لا مدعي لها ، فلو لم يشرع فيها
التبرع لتعطلت ، وهو غير جائز . ولأنه نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، وهو واجب ، وأداء الواجب لا يعد تبرعا . وهذا هو الأقوى .
إذا تقرر ذلك ، فالتبرع بالشهادة في موضع المنع ليس جرحا ( 4 ) عندنا حتى
لا تقبل شهادته في غير تلك الواقعة ، لأن الحرص المذكور ليس بمعصية ، فتسمع
شهادته في غيرها وإن لم يتب عما وقع ولا استبرئ من ذلك مدة ، وإنما الرد
هامش
( 1 ) مسند أحمد 4 : 426 ، تلخيص الحبير 4 : 204 ح 2130 .
( 2 ) سنن ابن ماجة 2 : 791 ح 2363 ، تلخيص الحبير 4 : 204 ذيل ح 2130 .
( 3 ) مسند أحمد 5 : 193 ، صحيح مسلم 3 : 1344 ح 19 ، سنن أبي داود 3 : 304 ح 3956 ، سنن
الترمذي 4 : 472 ح 2295 و 2297 ، سنن البيهقي 10 : 159 .
( 4 ) في ( ت ، ط ) : حرجا ، وفي ( خ ) : حرصا .