شرح
وقوله : ( لأن المصيب عندنا واحد ) نبه به على خلاف بعض العامة ( 1 ) حيث
ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب ، فلا وجه حينئذ في الرجوع إلى قول من ينبهه ،
لأن كلا منهما موافق للصواب ، وإن كان بعض الآراء أرجح من بعض .
وفيه نظر ، لأن هذا الحكم يجري على المذهبين ، وقد ذكره الفريقان في
آداب القضاء لأن الإصابة في الاجتهاد عند ( 2 ) القائل بكون كل مجتهد مصيبا إنما
هي مع موافقة الاجتهاد للدليل المناسب للحكم ، والمفروض هنا الغفلة عنه وأنه
إذا نبه عليه تنبه ، وعلم أن الدليل الذي اعتمده أولا غير صحيح بحسب ما يراه ،
بأن كان في المسألة رواية فيها طعن غفل عنه مثلا ، أو روايتان متعارضتان فجمع
بينهما بأمر غير سديد ، أو رجح إحداهما بمرجح مع غفلته عن أمور أخرى
ترجح ذلك الجانب ، أو نحو ذلك . وهذا الأمر يشترك فيه القولان .
وإصابة الواحد إنما هي في نفس الأمر لا في الظاهر ، ومن الجائز أن لا
يكون الحكم الذي ينبه عليه ووجب عليه اتباعه هو الصواب في نفس الأمر ، لأن
الواجب في الظاهر اتباع الراجح بعد استفراغ الوسع في تحصيل دليله ، سواء
طابق الواقع في نفس الأمر أم لا ، بل ذلك أمر لا يعلم إلا من قبل الله تعالى .
وقد وقع في كلام ابن الجنيد في هذه المسألة ما يوهم جواز تقليده لهم في
الحكم ، لأنه قال : ( لا بأس أن يشاور الحاكم غيره فيما اشتبه عليه من الأحكام ،
فإن أخبروه بنص أو سنة أو إجماع خفي عليه عمل به ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الحاري الكبير 16 : 128 ، البحر المحيط 6 : 241 .
( 2 ) كذا في ( خ ) ، وفي سائر النسخ : على .
( 3 ) حكاه عنه العلامة في المختلف : 703 .