شرح
وهذه المسألة ترجع إلى جميع هذه القاعدة ، فإن البناء حقيقة
لغوية في مباشرته ومجاز في الأمر به ، لكن قد غلب العرف في
ذلك حتى لا يتبادر من قول القائل : " بنيت دارا " و " فلان بنى بيتا " إلا
هذا المعنى . إلا أن الحقيقة لم تهجر أصلا ، لأن من باشر البناء يقال
إنه بنى أيضا بطريق أولى . وأما نحو البيع والشراء فالحقيقة اللغوية فيه باقية
بلا معارض ، وإن أسند إلى غير الفاعل فهو قليل لا يخرج عن أصل
المجازية .
ويترتب على ذلك أن الحالف على البيع والشراء نفيا وإثباتا يحمل
على مباشرته ذلك . فلا يحنث بالتوكيل كما لا يبر به في جانب الاثبات .
والحالف على البناء يحنث بمباشرته قطعا ، وفي حنثه بالأمر به وجهان .
واستوجه المصنف فيه عدم الحنث ، عملا بالحقيقة ، واستصحابا لحكمها . وذهب
جماعة ( 1 ) إلى الحنث به ، لغلبة استعماله في العرف . وفيه قوة . ومثله حلف
السلطان ونحوه ممن يترفع عن مباشرة الضرب عليه . فإنه يحنث بمباشرته ، وفي
أمره الوجهان . وحكم المصنف - رحمه الله - فيهما واحد . والقول بالحنث فيه
أيضا قوي .
واعلم أن المسألة مفروضة فيما إذا أطلق ولم ينو شيئا . أما إذا نوى أن لا
يفعل ولا يفعل ( إلا ) ( 2 ) بإذنه ، أو لا يفعل ولا يأمر به ، فلا خلاف في الحنث إذا
أمر به غيره . هكذا أطلقه جماعة ( 3 ) .
هامش
( 1 ) المختلف : 652 ، إيضاح الفوائد 4 : 27 .
( 2 ) من الحجريتين ، ولم ترد في النسخ الخطية ، والظاهر أنها زائدة .
( 3 ) لم نعثر على من أطلق الحكم بذلك ، وانظر قواعد الأحكام 2 : 134 - 135 .