تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستمسك العروة — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
شرح
يراد بهما تحديد مقدار البعد الذي يجوز معه التقصير ، كما اعترف به جماعة - بل نسبه إلى الأصحاب غير واحد - لا أنهما علامتان عليه ، ولا موضوعان لجواز التقصير . وحينئذ فلا بد من النظر في كونهما متساويين ، أو مختلفين . وعلى الثاني فهل يمكن التصرف بظاهر أحدهما ، أو كليهما ، ليرجع أحدهما إلى الآخر فيرتفع التنافي ، أو لا يمكن ليرجع إلى قواعد التعارض ؟ فنقول : أما صحيحة ابن مسلم ، المتضمنة للتحديد بأن يتوارى عن البيوت ، فمقتضى الجمود على عبارتها أن يستتر المسافر نفسه عن البيوت ، يعني : أن يبعد إلى حد يكون بينه وبينها ساتر وحاجب . وهذا تارة : يكون بعناية أن لا يراها ، وأخرى : بعناية أن لا تراه . وحيث أن الثاني محتاج إلى تقدير الابصار لها . مضافا إلى عدم مناسبته لكون ذلك أمارة للمسافر يعمل عليها نعين أن يكون بعناية الأول . ولأجل ذلك عبر المشهور بخفاء الجدران ، أو تواريها ، مريدين خفاءها عليه . وكأن الباعث على هذا التعبير أن المسافر هو فاعل المواراة ، وإن كانت هي قائمة بكل من الطرفين . وحينئذ فالتحديد المذكور مما لا يناسب التحديد في صحيحة ابن سنان وأخواتها ، إذ البعد المؤدي إلى استتار البيوت عن المسافر يزيد كثيرا عن البعد المانع عن سماع الأذان ، سواء أريد منه عدم سماع فصوله ، على نحو يميز بعضها عن بعض أم عدم سماعه بما أنه أذان ، على نحو لا يميز كونه أذانا أو ندبة ، أم عدم سماعه بما أنه صوت ، بحيث يخفى أصل الصوت ، فإن جميع ذلك يحصل قبل أن يحصل البعد الموجب للاستتار . وحينئذ يدور الأمر بين حمل الأولى على خصوص البوادي ، التي لا يكون التوطن فيها إلا في بيوت منقولة أو ثابتة ، وحمل الثانية على ما عداها من البلدان والأمصار . وبين حمل الأولى على إرادة مرتبة خاصة من الاستتار تكون مساوية في المقدار لعدم السماع . وبين حملها على عدم إرادة التحديد