تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرتقى إلى الفقه الأرقى — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
والذي نستقربه أن المنظور إليه في النصوص هو أمر آخر يساعد عليه الارتكاز العرفي والقواعد العامة وليس حكما تعبديا صرفا يختص به بيع المكيل والموزون . وهو النهي عن بيع ما لا يستحق قبضه فعلا بنحو يكون مقتضى اطلاق البيع تسليمه فعلا ، فإنه بيع ما لا يقدر على تسليمه بالفعل أو يجهل القدرة عليه ، فلا يتحقق الالتزام الضمني به حقيقة . والقرينة على ذلك مضافا إلى استبعاد النهي التعبدي الصرف في باب المعاملات بحيث لا يفهم أي خصوصية عقلائية له ، رواية خالد بن الحجاج الكرخي ( 1 ) قال " قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) أشتري الطعام إلى أجل مسمى فطلبه التجار مني بعد ما اشتريت قبل أن أقبضه . قال : لا بأس أن تبيع إلى أجل كما اشتريت . . . " ، فإن موضوع السؤال هو المبيع المؤجل - ولا وجه لحمله على الثمن المؤجل لأنه خلاف الظاهر - وهذا يقتضي عدم استحقاقه للقبض فعلا . وقد أجاز الإمام ( عليه السلام ) بيعه إلى الأجل كما اشترى ونهاه عن الدفع قبل القبض ، وهو ظاهر في كون المنهي عنه هو البيع على أن يدفع بالفعل فإنه غير مقدور له أو مجهول ، كما عرفت ، فيراد من " لا تدفع " يعني لا تلزم نفسك بالدفع ، لا الدفع بالفعل إذ لا معنى لذلك قبل القبض . وهذه الرواية تكون مفسرة لسائر الروايات . وتخصيص الحكم بالمكيل والموزون لعله لأجل اشتراط التأخير فيه عادة إذا لم يتحقق قبضه فعلا . فتدبر . ومنه يظهر وجه استثناء التولية ، فإن مرجعها إلى جعل المولى طرفا للمعاملة السابقة وعزل نفسه عنها ، ولا ترجع إلى معاملة جديدة وهذا لا مانع منه . وهو مجرى للسيرة . وهذا الاستظهار وإن لم نر من سبقنا إليه لكنه مما تساعد عليه الأذهان العرفية . ثم إنه لا يخفى أن النواهي في باب المعاملات حيث تحمل على الارشاد إلى المانعية وفساد المعاملة إذا اقترنت بالمنهي عنه ، كان حمل النهي على الكراهة في غير محله ، إذ الكراهة تتصور في الحكم التكليفي لا الوضعي .
هامش
1 - وسائل الشيعة ، ج 12 / باب 16 : من أبواب أحكام العقود ، ح 19 .