شرح
والكلام حينئذ في أن هذه الأمور أحكام تصرفات الجائر لتكون كاشفة عن ولايته شرعا بعد تغلبه ،
وإن لم يكن ابتداء كذلك ، أو أنها من باب الإجازة ممن له الإجازة ، فيعتبر مقدار الإجازة ، وأن
التصرفات حينئذ نافذة بإنفاذ الإمام عليه السلام كما في إجازة بيع الغاصب مثلا .
ومن الواضح أن المتيقن منه هو الثاني دون الأول ، الذي قد تواترت الاخبار والإثار بحرمة التولي
من قبلهم والمداخلة معهم والدخول تحت رايتهم للجهاد ومعونتهم بأي وجه كان ، حتى في بناء
مسجد كما في الخبر ، مع أن الترخيص في كل ذلك لازم اعتبار ولايتهم للامر شرعا ، ويوجب تقوية
شوكتهم وبقاء سلطانهم وزوال الامر بالكلية عن أهله ، وخمول الحق وعدم ترقب رجوع الحق إلى
مركزه ، وكل ذلك ما يأباه فطرة الولاية لآل محمد عليهم السلام وإن تفوه به بعض الأصحاب .
ثم من البين أن مجرد الانفاذ بالاذن والإجازة لا يلازم الجواز التكليفي ، بل ولا الخروج عن
الضمان بالكلية ، مثلا لو نفذ التقبل من السلطان للمؤمن كانت منفعة الأرض مملوكة له ، وما
يدفعه من الخراج متعينا ملكا للمسلمين ، فإذا تسلمه الجائر كان حراما عليه ويده عادية ، لكن إذا
جاز شرائه للمؤمن كان بيعه من الجائر حراما ، لكنه نافذ للمؤمن ويخرج الجائر بتسليمه إياه عن
ضمانه ، لكن يده على بدله المتعين للمسلمين يد عادية ، فإذا صرفه في غير المؤمن لم يخرج عن
ضمانه ، وهكذا فجميع التقليبات والتقلبات عوضا ومعوضا حرام على الجائر ، ولا يخرج عن
ضمانه الا إذا إنتهي الامر إلى المؤمن الذي أجيز له ذلك التصرف ، ولو بأن لا يكون له بدل كالهبة
والجائزة ، فصرفه في مصالح المسلمين إذا لم يوجب تصرفا من المؤمن فيه لا يخرجه عن الضمان .
وتوهم : لزوم جعل الجائر بعد تغلبه على ولاية الامر وليا على أمر المسلمين ، حفظا للحوزة
الاسلامية ، وصيانة للشريعة المحمدية ، وخوفا من تفرقة كلمة المسلمين وتسلط الكافرين .
مدفوع : بأن التحفظ على كل ذلك تشريعا وتكوينا لازم ، إلا أن نصب ولي الأمر تشريعا محقق
لاشخاص خاصة ، وعدم تمكين المسلمين منهم لا يسقطهم عن درجة الولاية الإلهية ،