وليس التفصي من الضرر أحد فردي المكره عليه ، حتى لا يوجب تخيير الفاعل فيهما سلب
الاكراه عنهما ، كما لو أكرهه على أحد الأمرين ، حيث يقع كل منهما حينئذ مكرها " ، لأن
الفعل المتفصى به مسقط عن المكره عليه ، لا بدل له ، ولذا لا يجرى عليه أحكام المكره عليه
إجماعا " ، فلا يفسد إذا كان عقدا " . وما ذكرناه وإن كان جاريا " في التورية ، إلا أن الشارع
رخص في ترك التورية بعد عدم إمكان التفصي بوجه آخر ، لما ذكرنا من ظهور النصوص
والفتاوى ، وبعد حملها على صورة العجز عن التورية .
( 20 ) مع أن العجز عنها لو كان معتبرا " لأشير إليها في تلك الأخبار الكثيرة المجوزة للحلف
كاذبا " عند الخوف والاكراه ، خصوصا " في قضية عمار وأبويه ، حيث أكرهوا على الكفر ،
فأبى أبواه فقتلا ، وأظهر لهم عمار ما أرادوا ، فجاء باكيا " إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فنزلت الآية : ( من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) فقال له
رسول الله صلى الله عليه والسلام : ( إن عادوا عليك فعد ) ولم ينبهه على التورية ، فإن التنبيه في
المقام وإن
لم يكن واجبا " ، إلا أنه لا شك في رجحانه ، خصوصا " من النبي صلى الله عليه وآله
وسلم باعتبار شفقته على عمار ، وعلمه بكراهة تكلم عمار بألفاظ الكفر من دون تورية ، كما
لا يخفى . ( 21 )
شرح
نعم ، لو نهض دليل آخر على إلحاقه به حكما " ، أو قام إجماع على عدم اعتبار العجز عن التورية في رفع إلا
كراه أثر الفعل المكره عليه لصح دعوى الالحاق الحكمي ، ولكن أنى لنا باثباته مع أن الاجماع إذا كان
مستنده صدق الاكراه فلا يفيد . ( ص 391 )
( 20 ) الطباطبائي : قد عرفت : أنه يمكن أن يكون وجه عدم الإشارة ، عدم خروجه عن الكذب بالتورية ،
فلا تكون مفيدة ، وهذا بخلاف التورية في العتق والطلاق والبيع ونحوها . ( ص 122 )
( 21 ) الطباطبائي : و ( مما قلناه في التعليقة السابقة ) يظهر الجواب عما في قضية عمار ، فإن ما أرادوا منه كان
هو التبري عن رسول الله ، وهو مثل السب في كونه حراما " وإن لم يكن ذلك بقلبه ، فالتورية غير نافعة