ويؤيده أنه لو خرج عن الاكراه عرفا " بالقدرة على التفصي بغير التورية خرج عنه بالقدرة
عليها ، لأن المناط حينئذ انحصار التخلص عن الضرر المتوعد في فعل المكره عليه ، فلا فرق
بين أن يتخلص بكلام آخر أو فعل آخر ، أو بهذا الكلام مع قصد معنى آخر .
ودعوى : أن جريان حكم الاكراه مع القدرة على التورية تعبدي ، لا من جهة صدق حقيقة
الاكراه ، كما ترى !
لكن الانصاف : أن وقوع الفعل عن الاكراه لا يتحقق إلا مع العجز عن التفصي بغير التورية ،
لأنه يعتبر فيه أن يكون الداعي عليه هو خوف ترتب الضرر المتوعد به على الترك ، ومع
القدرة على التفصي لا يكون الضرر مترتبا " على ترك المكره عليه ، بل على تركه وترك
التفصي معا " ، فدفع الضرر يحصل بأحد الأمرين : من فعل المكره عليه والتفصي ، فهو مختار في
كل منهما ، ولا يصدر كل منهما إلا باختياره ، فلا إكراه . ( 19 )
شرح
الاكراه ، فالنزاع في اعتبار إمكان التفصي مطلقا " ، وعدم إمكانه كذلك ، أو التفصيل لغو ، وذلك لصدق
الاكراه بمجرد عدم رضا المكره بالنتيجة ، ومن هنا صح تمسك المصنف برواية ابن سنان الدالة على عدم
اعتبار إمكان التفصي مطلقا " . ولا يرد عليه ، ما أورد : بأن الظاهر من الرواية تحقق الاكراه بدون التوعيد
بالضرر ، لا أن التفصي بغير التورية أيضا " غير لازم فلا دخل لها بمسألة إمكان التفصي وعدمه ، وذلك لما
عرفت من : أن محل البحث إنما هو بعد اعتبار ترتب الضرر والرواية حيث دلت على أن إكراه الزوجة أو
الوالدين ليس بشئ ، مع أن التفصي بغير التورية بالنسبة إلى مخالفتهم أيضا " ممكن ، فتدل على عدم
اعتبار العجز عن التفصي مطلقا " .
نعم ، قد يورد عليه بأن الرواية مختصة بمسألة الاكراه في مورد اليمين ، لا مطلقا " . وكيف كان ، فثمرة هذا
النزاع إنما هو بعد الفراغ عن اعتبار ترتب الضرر على مخالفة الفعل المكره عليه . ( ص 388 )
( 19 ) النائيني ( منية الطالب ) : فيه : ما لا يخفى من الغرابة ، فإنه لو سلم أن مع القدرة على التفصي ولو
بالتورية ليس مكرها " عليه ، فكيف يشمله إطلاق معاقد الاجماعات والأخبار ! فإن الاطلاق يؤخذ به في
أفراد الموضوع أو أحواله مع خروجه موضوعا " لا يعقل شمول نفس هذا الاطلاق له .