وهذا الذي ذكرنا لا يكاد يخفى على من له أدنى تأمل في معنى الاكراه لغة وعرفا وأدنى
تتبع فيما ذكره الأصحاب في فروع الاكراه - التي لا يستقيم مع ما توهمه ، من خلو المكره
عن قصد مفهوم اللفظ - وجعله مقابلا " للقصد ، وحكمهم بعدم وجوب التورية في التفصي
عن الاكراه وصحة بيعه بعد الرضا ، واستدلالهم له بالأخبار الواردة في طلاق المكره وأنه لا
طلاق إلا مع إرادة الطلاق ، حيث إن المنفى صحة الطلاق ، لا تحقق مفهومه لغة وعرفا " ، وفي
وبعض المعاصرين بنى هذا الفرع على تفسير القصد بما ذكرنا من متوهم كلامهم ، فرد عليهم
فساد المبنى ، وعدم وقوع الطلاق في الفرض المزبور ، لكن المتأمل يقطع بعدم إرادتهم لذلك ،
وسيأتي ما يمكن توجيه الفرع المزبور به .
ثم إن حقيقة الاكراه لغة وعرفا : حمل الغير على ما يكرهه ، ( 13 )
شرح
( 13 ) الطباطبائي : ويعتبر في صدقه أن يكون الحامل انسانا " ، فلا يصدق إذا كان الحامل له ضرورة أو
خوفا " من حيوان مثلا " ، وإن كان الفعل صادرا " عن كره . وهذا هو الفارق بينه وبين الاضطرار . ( ص 122 )
الإيرواني : قد عرفت : أن الاكراه بل ولا مادة الكره غير معتبر في الحكم ببطلان المعاملة ، وإنما المعتبر في
صحتها طيب النفس وقد تقدم معنى طيب النفس وأنه لا يعتبر شئ من القيود الخمسة التي اعتبرها
المصنف في خلال كلماته في الحكم ببطلان المعاملة ، بل نحكم بالبطلان وإن لم يوجد شئ منها .
والضابط : أن لا يكون الإنشاء من الشخص لأجل التوصل إلى حصول أثر المعاملة وإن كان مريدا " لذلك
الأثر غير كاره له ، لكن كانت إرادته مقارنة لانشائه ، لا داعية إلى إنشائه ، فإن مجرد هذا ، غير كاف إلا في
ما يكفي فيه الرضا الباطني ولا يحتاج إلى الإنشاء ، أما فيما يحتاج إلى الإنشاء ، فلا يكفي أن يجتمع الإنشاء
مع هذا الرضا ، وإنما معنى حاجته إلى الإنشاء أن يكون إنشائه منبعثا " من إرادة وقوع مضمون المعاملة
بحيث كان داعية إلى الإنشاء ذلك ، لا شئ آخر ، ومن جملته ، إكراه المكره ، فالاكراه جزئي من الجزئيات
الرافعة للانبعاث المذكور ، لا أنه بعنوانه دخيل ، فالمقام على العكس مما قيل في أنه إذا قصد المصلي بقوله : (
إياك نعبد ) المخاطبة ، بطلت صلاته ، لأنه خرج كلامه عن حكاية القرآن ودخل في كلام الآدمي .