هذا ، ولكن الأولى أن يفرق بين امكان التفصي بالتورية وامكانه بغيره ، بتحقق
الموضوع في الأول دون الثاني لأن الأصحاب وفاقا للشيخ في المبسوط ذكروا
من شروط تحقق الاكراه أن يعلم أو يظن المكره بالفتح أنه لو امتنع مما أكره عليه ،
وقع فيما توعد عليه ومعلوم أن المراد ليس امتناعه عنه في الواقع ولو مع اعتقاد
المكره بالكسر عدم الامتناع بل المعيار في وقوع الضرر اعتقاد المكره لامتناع
المكره .
وهذا المعنى يصدق مع إمكان التورية ، ولا يصدق مع التمكن من التفصي
بغيرها لأن المفروض تمكنه من الامتناع مع اطلاع المكره عليه وعدم وقوع
الضرر عليه .
والحاصل أن التلازم بين امتناعه ووقوع الضرر الذي هو المعتبر في
صدق الاكراه موجود مع التمكن بالتورية ، لا مع التمكن بغيرها ، فافهم .
ثم إن ما ذكرنا من اعتبار العجز عن التفصي إنما هو في الاكراه المسوغ
للمحرمات ، ومناطه توقف دفع ضرر المكره على ارتكاب المكره عليه . وأما
الاكراه الرافع لأثر المعاملات . فالظاهر أن المناط فيه عدم طيب النفس
بالمعاملة { 1 }
شرح
وفيهما نظر .
أما الأول : فلأن عدم الإشارة إلى التورية إنما هو لأجل أن طبع المتكلم في بيان
مراداته بالألفاظ إنما هو بالقاء الألفاظ الظاهرة فيها ، ولا يمكن له التورية إلا بالتروي ،
وهو في مقام الخوف والاكراه عسر جدا وحرج شديد .
وأما الثاني : فلأن السب والتبري حرام حتى مع عدم قصد المعنى وقصد معنى آخر ،
لأن مناط حرمة السب هو انهتاك المسبوب عند الغير ، وهذا المناط موجود مع عدم القصد
أيضا .
والمحقق النائيني قدس سره أجاب عن الوجه الأول :
بأن التورية أيضا من الكذب المحرم ولا جله لم ينبه عليها .
وفيه : ما عرفت من خروج التورية عن الكذب موضوعا .
{ 1 } وأما القول الخامس - الذي اختاره المصنف قدس سره - فحاصله : الفرق بين الاكراه
الرافع لأثر المعاملات ، فيكفي فيه العجز عن التفصي فعلا وإن كان قادرا على أن يقدر
نفسه عليه ، وأما الاكراه المسوغ للمحرمات فيعتبر فيه العجز المطلق ، فمن كان قادرا