لكن الانصاف أن وقوع الفعل عن الاكراه لا يتحقق إلا مع العجز عن التفصي بغير
التورية ، لأنه يعتبر فيه أن يكون الداعي ، عليه هو خوف ترتب الضرر المتوعد به
على الترك ومع القدرة على التفصي لا يكون الضرر مترتبا على ترك المكره عليه ،
بل على تركه وترك التفصي معا .
فدفع الضرر يحصل بأحد الأمرين ، من فعل المكره عليه ، والتفصي ، فهو
مختار في كل منهما ، ولا يصدر كل منهما إلا باختياره ، فلا اكراه وليس التفصي من
الضرر أحد فردي المكره عليه حتى لا يوجب تخيير الفاعل فيهما سلب الاكراه
عنهما كما لو أكره إلى أحد الأمرين ، حيث يقع كل منهما حينئذ مكرها عليه لأن
الفعل المتفصي به مسقط عن المكره عليه لا بدل له . ولذا لا يجري عليه أحكام
المكره عليه اجماعا فلا يفسد إذا كان عقدا
شرح
وفي كل نظر .
أما الأول : فلأنه مع التمكن من الفرار عما أكره عليه لا يصدق أنه مكره عليه لما
عرفت من أنه يعتبر في صدقه ترتب الضرر المتوعد به على تركه ، فمع امكان التفصي لا
يترتب ذلك على تركه ، فلا يصدق عليه الاكراه .
وأما الثاني : فلأن الغالب أن المكره حين الاكراه لا يلتفت إلى عدم كونه مكرها
على القصد ، ولأجله يرى نفسه مكرها على القصد أيضا .
مع أنه لو سلم كون ذلك فردا نادرا لا محذور فيه ، إذ حمل المطلق على الفرد النادر
مستهجن ، وأما إذا أخذ في الموضوع عنوان له أفراد نادرة في نفسه فلا محذور فيه ،
والمقام من قبيل الثاني كما هو واضح .
وأما الثالث : فلأنه أجنبي عن المقام ، إذ إما نلتزم بأن الأم أو الزوجة أو الأب تقدر
على الاضرار لو ترك ما أكره عليه ، فهو يدل على أنه لا فرق في الضرر المترتب بين كونه
قويا أو ضعيفا ، وأما نلتزم بالعدم فهو يدل على عدم اعتبار ترتب الضرر على ترك الفعل
المكره عليه ، فيكون حينئذ خلاف المتفق عليه .
واستدل للقول الثالث : بأنه يعتبر في صدق الاكراه أن يعلم المكره أو يظن بأنه