لم يحسن من الشارع إهماله في موارد البيان ، وقد استدل في المبسوط
والمختلف على ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة بقوله تعالى { 1 } ( فمن اعتدى
عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )
شرح
المضمون به إلا ما شذ وندر ، فيعلم من ذلك اتكاله على ما هو المتعارف عند الناس . ومن
المعلوم أن المتعين عندهم تعين رد ما هو الأقرب إلى العين بعد عدم امكان رد ، العين
نفسها ، والأقرب هو المثل لكونه تداركا للمالية ، والخصوصيات الفائتة التي تختلف بها
الرغبات ، فيتعين ذلك .
وفي صورة عدم التمكن من رده أيضا يراعى ما هو الأقرب إلى التالف بعد المثل ،
وهو القيمة من النقدين أو شبههما ، لأن غيرهما مشتمل على خصوصيات غير متمولة
مغايرة لخصوصيات التالف ، ومعلوم أن غير المشتمل على الخصوصيات المغايرة أقرب
من المشتمل عليها .
وبعبارة أخرى : إن غير النقدين إنما يلاحظ مساواته للتالف بعد ارجاعه إليهما .
وفيه : أولا : إنه لو تم لاختص لزوم أداء المثل بما إذا كان موجودا نوعا ، إذ المعلوم
من حال العقلاء رعاية للحكمة عدم التضمين بالأقرب مطلقا ، فلا عبرة بوجوده أحيانا .
وثانيا : إن الأقربية ليست مناط الحكم ، بل العبرة على التقريب المتقدم بما هو
المتعارف عند الناس ، ومن المعلوم من حالهم أنه لا نظر لهم في هذا المقام إلا إلى المالية ،
ولذا تراهم لا يطالبون المثل لو سقط عن المالية ، ولا يلتفتون إليه ولا يلزمون بدفعه إذا
زادت قيمته .
وبالجملة : المعيار عندهم هو القمية ، وعليه فهذا الوجه يعين القمية .
{ 1 } الثالث : قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ( 1 )
قيل : إنه يدل على تعين المثل في المثلي والقمية في غيره ، بتقريب أن مماثل ما اعتدى
هامش
( 1 ) البقرة الآية 194 .