تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناظرات في العقائد والأحكام — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
قلنا : لو كان ذلك صحيحا لم يجز عطف الأيدي وهي محدودة على الوجوه وهي غير محدودة في وجود ذلك ، وصحة اتفاق الوجوه والأيدي في الحكم مع اختلافهما في التحديد دلالة على صحة عطف الأرجل على الرؤوس ، واتفاقهما في الحكم وإن اختلفا في التحديد . على أن هذا أشبه بترتيب الكلام مما ذكره الخصم ، لأن الله تعالى ذكر عضوا ممسوحا غير محدود ، وهو الرأس ، وعطفه عليه من الأرجل بممسوح محدود ، فتقابلت الجملتان من حيث عطف فيهما مغسول محدود على مغسول غير محدود وممسوح محدود على ممسوح غير محدود . فأما من ذهب إلى التخيير وقال : أنا مخير في أن أمسح الرجلين وأغسلهما ، لأن القراءتين تدل على الأمرين كليهما ، مثل الحسن البصري ، والجبائي ، ومحمد ابن جرير الطبري ومن وافقهم ، فيسقط قولهم بما قدمناه من أن القراءتين لا يصح أن تدلا إلا على المسح ، وأنه لا حجة لمن ذهب إلى الغسل ، وإذا وجب المسح بطل التخيير . وقد احتج الخصوم لمذهبهم من طريق القياس ، فقالوا : إن الأرجل عضو يجب فيه الدية ، أمرنا بإيصال الماء إليه ، فوجب أن يكون مغسولا كاليدين . وهذا احتجاج باطل ، وقياس فاسد ، لأن الرأس عضو يجب فيه الدية ، وقد أمرنا بإيصال الماء إليه ، وهو مع ذلك ممسوح ، ولو تركنا والقياس ، لكان لنا منه حجة ، هي أولى من حجتهم ، وهي أن الأرجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى ، يسقط حكمه في التيمم ، فوجب أن يكون فرضه المسح دليله القياس على الرأس . فإن قالوا : هذا ينتقض عليكم بالجنب ، لأن غسل جميع بدنه وأعضائه يسقط في التيمم وفرضه مع ذلك الغسل .