شرح
ولكنّ الصحيح : أنّ الرواية غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءً ، وذلك لأنّ قوله
( عليه السلام ) : « فإنّي قد جعلته قاضياً » متفرّع على قوله ( عليه السلام ) : « فاجعلوه
بينكم » ، وهو القاضي المجعول من قبل المتخاصمين .
فالنتيجة : أنّ المستفاد منها أنّ من جعله المتخاصمان بينهما حكماً هو الذي
جعله الإمام ( عليه السلام ) قاضياً ، فلا دلالة فيها على نصب القاضي ابتداءً .
ويؤكّد ذلك أنّ قوله ( عليه السلام ) : « يعلم شيئاً من قضايانا » لا دلالة فيه بوجه
على اعتبار الاجتهاد ، فإنّ علومهم ( عليهم السلام ) وإن لم تكن قابلة للإحاطة بها
إلاّ أنّ قضاياهم وأحكامهم في موارد الخصومات قابلة للإحاطة بها ، ولا سيّما لمن
كان في عهدهم ( عليهم السلام ) . وعليه ، فمن كان يعلم شيئاً من قضاياهم ( عليهم
السلام ) يجوز للمترافعين أن يتحاكما إليه وينفذ حكمه فيه وإن لم يكن مجتهداً
وعارفاً بمعظم الأحكام .
ثمّ إنّه هل تعتبر الأعلميّة في القاضي المنصوب ؟
لا ريب ولا إشكال في عدم اعتبار الأعلميّة المطلقة ، فإنّ الأعلم في كلّ عصر
منحصر بشخص واحد ، ولا يمكن تصدّيه للقضاء بين جميع الناس .
وإنّما الإشكال في اعتبار الأعلميّة في البلد ، فقيل باعتبارها ، وهو غير بعيد ،
وذلك لما عرفت من أنّه لا دليل في المسألة إلاّ الأصل ، ومقتضاه عدم نفوذ حكم من
كان الأعلم منه موجوداً في البلد .
ويؤكّد ذلك قول علي ( عليه السلام ) في عهده إلى مالك الأشتر : « اختر للحكم بين
الناس أفضل رعيّتك » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 223 / أبواب آداب القاضي ب 8 ح 9 .