شرح
القطع بالصدور فيظهر أنّ الكتاب واصل إليه بالتواتر أو ما في حكمه . فالرواية صحيحة السند لكنها قاصرة الدلالة ، لعين ما مرّ في الصحيحة السابقة من المناقشة الأولى ، أعني ورودها في الالتفات في الأثناء إلى الخلف أو اليمين أو اليسار ، لا في اعتبار أصل الاستقبال الذي هو محل الكلام .
ثالثها : ما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة قال « قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : الصلاة في السفر في السفينة والمحمل سواء ؟ قال : النافلة كلَّها سواء ، تومئ إيماءً أينما توجهت دابّتك إلى أن قال قلت : فأتوجه نحوها في كلّ تكبيرة ؟ قال : أمّا النافلة فلا ، إنّما تكبّر على غير القبلة الله أكبر ، ثم قال : كلّ ذلك قبلة للمتنفّل : * ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ) * ( 1 )( 1 ) الوسائل 4 : 324 / أبواب القبلة ب 13 ح 17 ، تفسير العياشي 2 : 56 / 81 .فإن موردها وإن كان الصلاة في خصوص السفر ، إلا أنّه يستفاد من قوله ( عليه السلام ) في الذيل : « كل ذلك قبلة للمتنفل » مستشهداً بالآية المباركة الذي هو بمنزلة التعليل لما تقدمه إرادة تطبيق كبرى كلية على المقام من دون خصوصية للمورد ، وأن قبلة المتنفل على الإطلاق إنما هي حيث ما توجه ، والتنفّل في السفر من مصاديق تلك الكبرى ، وإلا فالحكم يعم المسافر والحاضر حال السير والاستقرار .
والإنصاف : أنّ الرواية قوية الدلالة ، فيصح الاستدلال بها لولا أنّها ضعيفة السند ، فانّ الروايات التي تضمنها تفسير العياشي بأجمعها مرسلة ، نشأ ذلك من حذف المستنسخ أسانيد الحديث روماً للاختصار ، زعماً منه أنّه خدمة ، غافلًا عما يترتب عليه من إسقاط تلك الروايات برمتها عن درجة الاعتبار ، سامحه الله وغفر له .
وقد تحصّل من جميع ما تقدم : أنّ الأقوى اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار ، لتمامية المقتضي وعمدته صحيحة زرارة : « لا صلاة إلا إلى القبلة » ( 2 )( 2 ) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2 .وعدم وجود المانع كما عرفت .