صَالِحِينَ .
وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ يُبْطِلُ هَذَا الْمَعْنَى .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } وَقَالَ تَعَالَى { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى الرَّبُّ .
فَعُلِمَ : أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِيمَنْ يَشْفَعُونَ فِيهِ وَأَنَّهُمْ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ إذْنٌ مُطْلَقٌ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ : إذَا نَفَى الشَّفَاعَةَ مِنْ دُونِهِ : نَفَاهَا مُطْلَقاً .
فَإِنَّ قَوْلَهُ { مِنْ دُونِهِ } إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً بِقَوْلِهِ يَمْلِكُونَ أَوْ بِقَوْلِهِ يَدْعُونَ أَوْ بِهِمَا .
فَالتَّقْدِيرُ : لَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ الشَّفَاعَةَ مِنْ دُونِهِ .
أَوْ لَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِهِ أَنْ يَشْفَعُوا .
وَهَذَا أَظْهَرُ .
لِأَنَّهُ قَالَ { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } فَأَخَّرَ " الشَّفَاعَةَ " وَقَدَّمَ " مِنْ دُونِهِ " .
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ } وَقَوْلِهِ { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ } .
بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ : لَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ الشَّفَاعَةَ مِنْ دُونِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 404
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠٤