تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
معنى الحرج الضيق ، فمعناه : ولا يضيقن صدرك لتشعب الفكر خوفا من أن لا تقوم بتبليغ ما أنزل إليك حق القيام ، فليس عليك أكثر من الإنذار وثانيها : إن معنى الحرج الشك عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي ، فمعناه فلا يكن في صدرك شك فيما يلزمك من القيام بحقه ، فإنما أنزل إليك لتنذر به وثالثها : إن معناه : فلا يضيقن صدرك من قومك أن يكذبوك ويجبهوك بالسوء ( 1 ) ، فيما أنزل إليك ، كما قال سبحانه : ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم ، إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) عن الفراء . وقد روي في الخبر أن الله تعالى لما نزل القرآن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : إني أخشى أن يكذبني الناس ويثلغوا رأسي ( 2 ) ، فيتركوه كالخبزة ، فأزال الله الخوف عنه بهذه الآية ، وقوله : ( لتنذر به ) أي : بالقرآن . قال الفراء ، والزجاج ، وأكثر العلماء : إنه على التقديم والتأخير ، وتقديره كتاب أنزل إليك لتنذر به ( وذكرى للمؤمنين ) ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، وقال آخرون : وهو متصل بقوله ( فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ) أي : كن على انشراح صدر بالإنذار ، ومعناه التخوف بوعده ووعيده ، وأمثاله ، وأمره ، ونهيه ، وليذكروا بما فيه ، وإنما خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به . ثم خاطب الله سبحانه المكلفين فقال : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ويحتمل أن يكون المراد : قل لهم يا محمد ، اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، لأنه قال قبل : ( لتنذر به ) والاتباع تصرف الثاني بتصرف الأول وتدبره بتدبيره ، فالأول إمام ، والثاني مؤتم ، ووجوب الاتباع فيما أنزل الله تعالى يدخل فيه الواجب ، والندب ، والمباح ، لأنه يجب أن يعتقد في كل منها ما أمر الله سبحانه به ، كما يجب أن يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه . ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) أي : ولا تتخذوا غيره أولياء ، تطيعونهم في معصية الله ، لأن من لا يتبع القرآن صار متبعا لغير الله من الشيطان ، والأوثان ، فأمر سبحانه باتباع القرآن ، ونهى عن اتباع الشيطان ليعلموا أن اتباع القرآن اتباع له سبحانه . ( قليلا ما تذكرون ) أي : قليلا يا معشر المشركين تذكركم واتعاظكم ، وهذا
هامش
( 1 ) جبهه : نكس رأسه . ( 2 ) ثلغ رأسه : خدشه .