تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
شديدا في كفره وعصيانه ، متماديا في شركه وطغيانه ، يسأل عن هذا فيقال : كيف نفى في أول الكلام عبادتهم لغير الأوثان ، ثم أثبت في آخره عبادتهم الشيطان ، فأثبت في الآخر ما نفاه في الأول ؟ أجاب الحسن عن هذا ، فقال : إنهم لم يعبدوا إلا الشيطان في الحقيقة ، لان الأوثان كانت مواتا ، ما دعت أحدا إلى عبادتها ، بل الداعي إلى عبادتها الشيطان ، فأضيفت العبادة إلى الشيطان ، بحكم الدعاء ، وإلى الأوثان ، لأجل أنهم كانوا يعبدونها ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) أضافت الملائكة عبادتهم إلى الجن من قبل أن الجن دعتهم إلى عبادة الملائكة . وقال ابن عباس : " كان في كل واحد من أصنامهم التي كانوا يعبدونها شيطان مريد ، يدعو المشركين إلى عبادتها ، فلذلك حسن إضافة العبادة إلى الأصنام وإلى الشيطان " . وقيل : ليس في الآية إثبات المنفي ، بل ما يعبدون إلا الأوثان وإلا الشيطان ، وهو إبليس ( لعنه الله ) : أبعده الله عن الخير ، بإيجاب الخلود في نار جهنم ( وقال ) يعني الشيطان : لما لعنه الله : ( لأتخذن من عبادك نصيبا ) أي : حظا ( مفروضا ) أي : معلوما ، عن الضحاك . وقيل : مقدرا محدودا ، وأصل الاتخاذ : أخذ الشئ على وجه الاختصاص ، فكل من أطاعه فإنه من نصيبه وحزبه ، كما قال سبحانه ( كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ) . وروي أن النبي قال في هذه الآية : " من بني آدم تسعة وتسعون في النار ، وواحد في الجنة " وفي رواية أخرى : " من كل ألف واحد لله ، وسائرهم للنار ولإبليس " أوردهما أبو حمزة الثمالي في تفسيره . ويقال : كيف علم إبليس أن له أتباعا يتابعونه ؟ والجواب : علم ذلك من قوله ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك ) وقيل : إنه لما نال من آدم ما نال ، طمع في ولده ، وإنما قال ذلك ظنا ، ويؤيده قوله تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ) ( ولأضلنهم ) هذا من مقالة إبليس يعني : لأضلنهم عن الحق والصواب . وإضلاله : دعاؤه إلى الضلال ، وتسبيبه له بحبائله ، وغروره ، ووساوسه . ( ولأمنينهم ) يعني : أمنينهم طول البقاء في الدنيا ، فيؤثرون بذلك الدنيا ونعيمها ، على الآخرة . وقيل : معناه أقول لهم : ليس وراءكم بعث ، ولا نشر ، ولا جنة ، ولا نار ، ولا ثواب ، ولا عقاب ، فافعلوا ما شئتم ، عن الكلبي . وقيل معناه أمنينهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية ، وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها ، وأدعو كلا منهم إلى نوع يميل طبعه إليه ، فأصده بذلك عن الطاعة ،