الأعمى ) أي لأن جاءه الأعمى ( وما يدريك لعله ) أي لعل هذا الأعمى ( يزكى )
يتطهر بالعمل الصالح ، وما يتعلمه منك ( أو يذكر ) أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من
مواعظ القرآن . ( فتنفعه الذكرى ) في دينه . قالوا : وفي هذا لطف من الله عظيم
لنبيه ( ص ) ، إذ لم يخاطبه في باب العبوس ، فلم يقل عبست . فلما جاوز العبوس
عاد إلى الخطاب فقال . وما يدريك .
ثم قال ( أما من استغنى ) أي من كان عظيما في قومه ، واستغنى بالمال ( فأنت
له تصدى ) أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك ( وما عليك ألا يزكى ) أي في شئ
يلزمك إن لم يسلم ، ولم يتطهر من الكفر ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ( وأما من
جاءك يسعى ) أي يعمل في الخير ، يعني ابن أم مكتوم ( وهو يخشى ) الله ، عز وجل
( فأنت عنه تلهى ) أي تتغافل وتشتغل عنه بغيره ( كلا ) أي : لا تعد لذلك ، وانزجر
عنه ( إنها تذكرة ) أي إن آيات القرآن تذكير ، وموعظة للخلق ( فمن شاء ذكره ) أي
ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ . والمعنى : فمن شاء أن يذكره ذكره . وفي هذا دلالة
على أن العبد قادر على الفعل ، مخير فيه . وقوله . ( كلا ) فيه دلالة على أنه ليس له
أن يفعل ذلك في المستقبل . وأما الماضي ، فلم يتقدم النهي عن ذلك فيه ، فلا
يكون معصية .
ثم أخبر سبحانه بجلالة قدر القرآن عنده فقال : ( في صحف مكرمة ) أي هذا
القرآن ، أو هذه التذكرة في كتب معظمة عند الله ، وهي اللوح المحفوظ ، عن ابن
عباس . وقيل : يعني كتب الأنبياء المنزلة عليهم ، كقوله . ( إن هذا لفي الصحف
الأولى . ( مرفوعة ) في السماء السابعة . وقيل : مرفوعة قد رفعها الله عن دنس
الأنجاس ( مطهرة ) لا يمسها إلا المطهرون . وقيل : مصونة عن أن تنالها أيدي
الكفرة ، لأنها في أيدي الملائكة في أعز مكان ، عن الجبائي . وقيل : مطهرة من كل
دنس ، عن الحسن . وقيل : مطهرة من الشك والشبهة والتناقض . ( بأيدي سفرة )
يعني الكتبة من الملائكة ، عن ابن عباس ومجاهد ، وقيل . يعني السفراء بالوحي بين
الله تعالى ، وبين رسله من السفارة . وقال قتادة هم القراء يكتبونها ويقرأونها .
وروى فضيل بن يسار ، عن الصادق ( ع ) قال : الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة
الكرام البررة .
تفسير مجمع البيان — صفحة 267
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٦٧