ثم أثنى عليهم فقال : ( كرام ) على ربهم ( بررة ) مطيعين . وقيل : كرام عن
المعاصي ، يرفعون أنفسهم عنها . بررة أي صالحين متقين . وقال مقاتل : كان
القرآن ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر إلى الكتبة من الملائكة .
ثم ينزل به جبرائيل ( ع ) إلى النبي ( ص ) . ثم ذكر سبحانه المكذبين بالقرآن فقال :
( قتل الانسان ) أي عذب ولعن الانسان وهو إشارة إلى كل كافر ، عن مجاهد .
وقيل : هو أمية بن خلف ، عن الضحاك . وقيل : هو عتبة بن أبي لهب إذ قال :
كفرت برب النجم إذا هوى ( ما أكفره ) أي ما أشد كفره ، وما أبين ضلاله ! وهذا
تعجب منه ، كأنه قد قال : تعجبوا منه ومن كفره ، مع كثرة الشواهد على التوحيد ،
والإيمان . وقيل . إن ما للاستفهام أي : أي شئ أكفره ، وأوجب كفره ، عن مقاتل
والكلبي . فكأنه قال : ليس ههنا شئ يوجب الكفر ، ويدعو إليه ، فما الذي دعاه
إليه مع كثرة نعم الله عليه .
ثم بين سبحانه من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه ، فقال : ( من
أي شئ خلقه ) لفظه استفهام ومعناه التقرير . وقيل : معناه لم لا ينظر إلى أصل
خلقته من أي شئ خلقه الله ، ليدله على وحدانية الله تعالى . ثم فسر فقال : ( من
نطفة خلقه فقدره ) أطوارا نطفة ، ثم علقة ، إلى آخر خلقه ، وعلى حد معلوم من
طوله وقصره وسمعه وبصره وحواسه وأعضائه ومدة عمره ورزقه وجميع أحواله ( ثم
السبيل يسره ) أي ثم يسر سبيل الخروج من بطن أمه ، حتى خرج منه ، عن ابن
عباس وقتادة . وذلك أن رأسه كان إلى رأس أمه ، وكذلك رجلاه كانتا إلى رجليها ،
فقلبه الله عند الولادة ، ليسهل خروجه منها . وقيل : ثم السبيل أي سبيل الدين
يسره ، وطريق الخير والشر بين له وخيره ، ومكنه من فعل الخير ، واجتناب الشر ،
ونظيره ( وهديناه النجدين ) عن مجاهد والحسن وابن زيد .
( ثم أماته ) أي خلق الموت فيه ، وقيل : أزال عنه حياته ( فأقبره ) أي صيره
بحيث يقبر ، وجعله ذا قبر ، عن أبي مسلم . وقيل : جعله مقبورا ، ولم يجعله ممن
يلقى إلى السباع والطير ، عن الفراء . وقيل : أمر بأن يقبر ، عن أبي عبيدة ( ثم إذا
شاء أنشره ) أي أحياه من قبره ، وبعثه إذا شاء تعالى أن يحييه للجزاء والحساب ،
والثواب والعقاب ، عن الحسن ( كلا ) أي حقا ( لما يقض ) أي لم يقض ( ما أمره )
الله به من إخلاص عبادته ، ولم يؤد حق الله تعالى عليه ، مع كثرة نعمه . قال
تفسير مجمع البيان — صفحة 268
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٦٨