يكرمه ، وإذا رآه قال : مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ! ويقول له : هل لك من حاجة ؟
واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين . وقال أنس بن مالك : فرأيته يوم القادسية ،
وعليه درع ، ومعه راية سوداء .
قال المرتضى علم الهدى ، قدس الله روحه : ليس في ظاهر الآية دلالة على
توجهها إلى النبي ( ص ) ، بل هو خبر محض ، لم يصرح بالمخبر عنه ، وفيها ما يدل
على أن المعني بها غيره ، لأن العبوس ليس من صفات النبي ( ص ) ، مع الأعداء
المباينين ، فضلا عن المؤمنين المسترشدين . ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ،
ويتلهى عن الفقراء ، لا يشبه أخلاقه الكريمة ، ويؤيد هذا القول قوله سبحانه في
وصفه ( ص ) ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وقوله : ( ولو كنت فظا غليظ القلب
لانفضوا من حولك ) فالظاهر أن قوله . ( عبس وتولى ) المراد به غيره .
وقد روي عن الصادق ( ع ) أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند
النبي ( ص ) ، فجاء ابن أم مكتوم ، فلما رآه تقذر منه ، وجمع نفسه ، وعبس ،
وأعرض بوجهه عنه ، فحكى الله سبحانه ذلك ، وأنكره عليه . فإن قيل : فلو صح
الخبر الأول ، هل يكون العبوس ذنبا أم لا ؟ فالجواب : إن العبوس والانبساط مع
الأعمى سواء ، إذ لا يشق عليه ذلك ، فلا يكون ذنبا ، فيجوز أن يكون عاتب الله
سبحانه بذلك نبيه ( ص ) ، ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق ، وينبهه بذلك على عظم
حال المؤمن المسترشد ، ويعرفه أن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه ، أولى من تأليف
المشرك ، طمعا في إيمانه ، وقال الجبائي : في هذا دلالة على أن الفعل يكون
معصية فيما بعد ، لمكان النهي . فأما في الماضي ، فلا يدل على أنه كان معصية قبل
أن ينهى عنه ، والله سبحانه لم ينهه إلا في هذا الوقت .
وقيل . إن ما فعله الأعمى نوعا من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض عنه ،
إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه أعرض عنه لفقره ، وأقبل عليهم لرياستهم ، تعظيما
لهم ، فعاتبه الله سبحانه على ذلك . وروي عن الصادق ( ع ) أنه قال : كان رسول
الله ( ص ) إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لا والله لا يعاتبني الله
فيك أبدا ، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي ( ص ) مما يفعل به .
المعنى : ( عبس ) أي بسر وقبض وجهه ( وتولى ) أي أعرضن بوجهه ( أن جاءه
تفسير مجمع البيان — صفحة 266
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٦٦