ألسنتهم ، فيسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة
أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من
الجيف ، وبعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران ، لازقة بجلودهم . فأما الذين على
صورة القردة فالقتات ( 1 ) من الناس . وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت .
وأما المنكسون على رؤوسهم فأكلة الربا . والعمي : الجائرون في الحكم . والصم
والبكم : المعجبون بأعمالهم . والذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء والقضاة الذين
خالف أعمالهم أقوالهم . والمقطعة أيديهم وأرجلهم : الذين يؤذون الجيران .
والمصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان . والذين هم أشد نتنا من
الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ، ويمنعون حق الله في أموالهم ، والذين
يلبسون الجباب فأهل الفخر والخيلاء " .
( إن جهنم كانت مرصادا ) يرصدون به أي هي معدة لهم ، يرصد بها خزنتها
الكفار ، عن المبرد . وقيل : مرصدا محبسا يحبس فيه الناس ، عن مقاتل . وقيل :
طريقا منصوبا على العاصين ، فهو موردهم ومنهلهم ، وهذا إشارة إلى أن جهنم
للعصاة على الرصد لا يفوتونها ( للطاغين مآبا ) أي للذين جاوزوا حدود الله ، وطغوا
في معصية الله مرجعا يرجعون إليه ، ومصيرا . فكأن المجرم قد كان بإجرامه فيها ، ثم
رجع إليها . ( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكثين فيها أزمانا كثيرة ، وذكر فيها أقوال
أحدها . إن المعنى أحقابا لا انقطاع لها ، كلما مضى حقب ، جاء بعده حقب آخر .
والحقب : ثمانون سنة من سني الآخرة ، عن قتادة والربيع . وثانيها : إن الأحقاب
ثلاثة وأربعون حقبا ، كل حقب سبعون خريفا ، كل خريف سبعمائة سنة ، كل سنة
ثلاثمائة وستون يوما ، وكل يوم ألف سنة ، عن مجاهد وثالثها : إن الله تعالى لم يذكر
شيئا إلا وجعل له مدة ينقطع إليها ، ولم يجعل لأهل النار مدة ، بل قال لابثين فيها
أحقابا " فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب ، دخل آخر ، ثم آخر ، كذلك إلى أبد
الآبدين ، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود في النار ، ولكن قد ذكروا أن الحقب
الواحد سبعون ألف سنة ، كل يوم من تلك السنين ألف سنة مما نعده ، عن الحسن .
ورابعها : إن مجاز الآية ( لابثين فيها أحقابا ) لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا
هامش
( 1 ) النمامون .