تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
فيدل كل واحد منهما بالدلالة الالتزامية على نفي مدلول الآخر . ومن هذا القبيل : التنافي بين ما دل على أن الواجب على من سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه هو الصلاة تماما ، وما دل على أن الواجب عليه الصلاة قصرا ، حيث لا تنافي بين مدلوليهما بالذات والحقيقة ، ولا مانع من الجمع بينهما في نفسه ، والتنافي بينهما إنما نشأ من العلم الخارجي بكذب أحدهما في الواقع ، وعدم ثبوته فيه من جهة عدم وجوب ست صلوات في يوم واحد ، ولأجل ذلك يدل كل من الدليلين بالدلالة الالتزامية على نفي مدلول الدليل الآخر . وقد تحصل من ذلك : أن النقطة الرئيسية التي هي مبدأ انبثاق التعارض بين الدليلين بشتى أشكاله - أي سواء كان بالذات والحقيقة ، أو كان بالعرض والمجاز ، وسواء كان على وجه التباين أو العموم من وجه - هي أن ثبوت مدلول كل منهما في مقام الجعل يقتضي رفع اليد عن مدلول الآخر ، وموجب لانتفائه في ذلك المقام مع بقاء موضوعه بحاله ، لا بانتفائه . ومن هنا يرجع جميع أقسام التعارض إلى التناقض حقيقة وواقعا ، بمعنى أن ثبوت مدلول كل واحد منهما يستلزم عدم ثبوت مدلول الآخر إما بالمطابقة ، وإما بالالتزام . وعلى الجملة : فملاك التعارض والتنافي بين الدليلين هو ما ذكرناه غير مرة من أن كل دليل متكفل لثبوت الحكم على فرض وجود موضوعه في الخارج بنحو القضية الحقيقية . هذا من جانب . ومن جانب آخر أنك قد عرفت في غير موضع أن نسبة الحكم إلى الموضوع في عالم التشريع كنسبة المعلول إلى العلة التامة في عالم التكوين ، فكما يستحيل انفكاك المعلول عن علته التامة فكذلك يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه . فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي أنه إذا كان هناك دليل آخر يدل على نفي هذا الحكم عن موضوعه الثابت بحاله لا بانتفائه فلا محالة يقع التعارض والتكاذب بينه وبين دليله في مقام الإثبات والدلالة ، فإن دليله يقتضي ثبوته لموضوعه على تقدير وجوده في الخارج ، وذاك يقتضي نفيه عن ذلك الموضوع