شرح
والّذي يخطر بالبال أنّه يمكن أن يقال : إنّه يمكن الجمع بين الأقوال حتّى ترجع إلى قولين لا غير : التحالف وقول ابن نما ، لأنّا نقول : إنّ الأوّل يرجع إلى الثاني ، لأنّ القائل بثبوت اُجرة المثل من المعلوم أنّه يقول : إنّ ذلك إنّما هو فيما إذا لم يكن ما يدّعيه العامل أقلّ من اُجرة المثل ، وإلاّ فلا يستحقّها ، لاعترافه بعدم استحقاق ما زاد وبراءة المالك منها ، فكيف تثبت له اُجرة المثل وهو ينفيها عن نفسه . فكان مبنى القول الأوّل على الغالب في أحوال الناس من أنّه يدّعي الزيادة كما هو واضح ، والقول الثاني يرجع إلى الثالث ، لأنّه من المعلوم أنّه إذا كان ما يدّعيه المالك أكثر من اُجرة المثل فهو يعترف بأنّ ذلك ثابت في ذمّته للعامل ، والعامل لا ينكره ، فقد ثبت باتّفاقهما ، فالقائل بأقلّ الأمرين من اُجرة المثل وما يدّعيه العامل قائل قطعاً بأكثر الأمرين من اُجرة المثل وما يدّعيه المالك ، وإنّما جرى في ذلك على الغالب ، وإلاّ فكيف ينفي ما اتّفقا عليه ؟ وهو واضح أيضاً . والثالث يرجع إلى الرابع ، لأنّ كلّ من قال بثبوت أقلّ الأمرين لا بدّ له وأن يقول بالتحالف إذا لم يرض المالك بإعطاء اُجرة المثل .
بيان ذلك : أنّه إذا ادّعى العامل على المالك أنّه جعل له مائة فقال المالك : جعلت لك خمسين لا غير ، فمن قال : إنّه يثبت للعامل بيمين المالك أقلّ الأمرين لا بدّ وأن يقول : إنّه إذا حلف أنّه لم يجعل له مائة لا يثبت للعامل اُجرة المثل لو كانت ستّين بمجرّد يمين المالك ، إذ لعلّه صادق في دعواه أنّه خمسون . ولعلّه إذا عرض عليه الحلف يقرّ أو ينكل ، فلا بدّ له أن يقول : إنّه إذا طلب المالك حلف العامل على أنّه ليس خمسين اُجيب إليه ، فإذا حلف رجع إلى الستّين الّتي هي اُجرة المثل ، لكن لمّا كان ذلك إلى المالك فإذا كان باذلاً اُجرة المثل وغرضه التخلّص من المائة صحّ لهم أن يقولوا ذلك ، وأمّا إذا كان غير باذل ولا راض بذلك
إلاّ بحلف العامل على نفي الخمسين فإنّه يحلفه ، فترك الجماعة له لظهوره