شرح
إليهم أموالهم ) يدلّ على دفع المال بعد إيناس الرشد بلا فصل ، فلو كان الابتلاء
قبل البلوغ لزم وجوب الإعطاء بعد الرشد وقبل البلوغ ، وهو منفي بالإجماع . وقوله : « ولا يبعد صدق اليتيم على قريب العهد باليتم وأنّه من المعلوم أنّ الابتلاء لم ينته بالبلوغ » فكأنّه مقيّد بعدم الرشد ، وغرضه بهذين الجواب عن دليلي الأصحاب فاسد قطعاً من وجهين ، الأوّل : أنّه يلزم أن تكون « حتّى » الداخلة على الجملة الفعلية الّتي فعلها ماض جارّة ، والجمهور على خلاف ذلك كما نصّ عليه في « المغني ( 1 ) » في قوله جلّ شأنه ( حتّى إذا فشلتم ) ( 2 ) فنسب إلى الجمهور أنّ « حتّى » ابتدائية وأنّ « إذا » في موضع نصب بشرطها أو جوابها المحذوف وقدّروه « امتحنتم » مع أنّ الجواب هنا موجود . ونسب جعل « إذا » في قوله « إذا فشلتم » في موضع جرّ ب « حتّى » إلى الأخفش وابن مالك ، وقال : إنّ الجمهور على خلافهما . فما الباعث على مخالفة جمهور النحويّين وجميع الأصحاب وحمل القرآن على الوجه الشاذّ ؟ على أنّ الأخفش وابن مالك إنّما تجرّيا على المخالفة في تلك الآية لعدم الجواب ، ولا أظنّ أنّهما يحتملان ذلك في هذه الآية ، لمكان وجود الجواب الّذي تناسق مع شرطه وتناسق جوابه معه .
الثاني : أنّه يلزم إخراج لفظ « اليتامى » عن حقيقته من دون باعث وداع إليه .
ومَن ذهب إليه من العامّة - وهو بعض الشافعية ( 3 ) وأحمد ( 4 ) في إحدى الروايتين عنه - إنّما كان لأمر آخر أشكل عليهما ، وهو أنّ الصبيّ محجور عليه قبل البلوغ فتصرّفه غير نافذ فكيف يختبر ؟ وقد أجابهما أصحابهما ( 5 ) وأصحابنا ( 6 ) بأنّه يختبر
هامش
( 1 ) مغني اللبيب : في « حتّى » ص 174 .
( 2 ) آل عمران : 152 .
( 3 ) راجع المجموع : ج 13 ص 369 ، والمغني لابن قدامة : ج 4 ص 524 .
( 4 ) راجع المغني لابن قدامة : ج 4 ص 524 ، والشرح الكبير : ج 4 ص 518 .
( 5 ) راجع المجموع : ج 13 ص 369 .
( 6 ) منهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام : في أحكام الحجر ج 4 ص 167 ، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان : في أسباب الحجر ج 9 ص 205 - 206 ، والبحراني في الحدائق الناضرة : في أحكام الحجر على الصغير ج 20 ص 353 .