شرح
غيره ثمّ جاء إليه وقال : إنّي اغتبتك فاجعلني في حلّ ففعل وهو لا يدري بما اغتابه فللشافعية وجهان ، أحدهما : أنّه يبرأ ، لأنّ هذا إسقاط محض ، كما لو عرف أنّ عبداً قطع عضواً من عبده ولم يعرف عين العضو المقطوع فعفا عن القصاص صحّ .
والثاني : لا يصحّ ، لأنّ المقصود حصول رضاه ، والرضا بالمجهول لا يمكن ، والعفو عن القصاص مبنيّ على التغليب ، وإسقاط المظالم غير مبنيّ عليه ( 1 ) . ولم يرجّح أحد القولين في التذكرة ولعلّ تفصيل المحقّق الثاني المتقدّم متّجه هنا . ولعَلم الهدى ( 2 ) كلام في نحو المقام ، وقضيّته أنّه لا بدّ من بيان الحقّ في الجملة كأن يقول : إنّي اغتبتك في عرضك أو نحو ذلك .
وهل هو محض إسقاط أو تمليك ؟ ظاهر التذكرة إجماعنا على أنّه إسقاط لا تمليك ، فلو كان له دَين على اثنين فقال : أبرأت أحدكما ، فعلى قولنا بأنّه إسقاط يصحّ ويطالب بالبيان ، وعلى القول بأنّه تمليك لا يصحّ ، كما لو كان في يد كلّ واحد منهما ثوب فقال : ملّكت أحدكما الثوب الّذي في يده . ومنه يُعلم ما إذا قال : أبرأت بعض الدَين الّذي عليك وعلى التقديرين لا يحتاج إلى القبول ، لأنّه وإن كان تمليكاً لكنّ المقصود منه الإسقاط .
وقد اتّفق الفقهاء على بطلان الإبراء عمّا ليس ثابتاً في الذمّة ، وإنّما صحّ في المتطبّب والمتبيطر للضرورة . ولهم إشكال واختلاف فيما إذا عفا عن سراية الجناية . وقد بيّنّا ذلك كلّه في باب القصاص ( 3 ) وقد بيّنّا هناك أنّ العفو والإبراء بمعنى واحد ، وقد عبّر عن الإبراء بالتصدّق في الكتاب المجيد كقوله جلّ اسمه ( وأن تصدّقوا خيرٌ لكم ) ( 4 ) وعبّر عن العفو بالتصدّق كقوله جلّ شأنه ( فمن تصدّق به فهو كفّارة
هامش
( 1 ) تذكرة الفقهاء : في الحقّ المضمون به ج 14 ص 327 .
( 2 ) لم نعثر على كلام علم الهدى ، فراجع لعلّك تجده .
( 3 ) يأتي في ج 10 ص 155 ( من الطبعة الرحلية ) الّذي يصير حسب تجزئتنا الجزء السادس والعشرين .
( 4 ) البقرة : 280 .