وكذلك أيضاً يكره أن يبع حاضر لباد ، لقلّة بصيرته بما يباع في البلاد ، وإن لم يكن شيء من ذلك محظوراً لكن ذلك من المسنونات ( 1 ) ، وما ذكره في مبسوطه في المسألتين معاً من أنّ ذلك محرّم هو الصحيح ، لأنّه نهى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن ذلك ، والنهي عندنا بمجرّده يقتضي التحريم في عرف الشريعة ، فإن قيل : لو كان على جهة التحريم لكان البيع فاسداً ، لأنّ النهي عندكم يقتضي فساد المنهي عنه ، وقد قلتم إنّ البيع إذا تُلقّي صحيح ؟ قلنا : نهى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن التلقّي ، وما نهى عن نفس العقد الّذي هو البيع ، ولا يتعدّى أحدهما إلى الآخر ، ولو كان النهي عن نفس البيع لفسد ، وإنّما النهي عن التلقّي . ونهى عن الاحتكار ، والاحتكار عند أصحابنا : هو حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن من البيع ، ولا يكون الاحتكار المنهي عنه في شيء من الأقوات ، سوى هذه الأجناس ، وإنّما يكون الإحتكار منهيّاً عنه إذا كان بالناس حاجة شديدة إلى شيء منها ، ولا يوجد في البلد غيره ، فأما مع وجود أمثاله وسعة ذلك على الناس وكثرته ، فلا بأس أن يحبسه صاحبه ، ويطلب بذلك الفضل ( 2 ) . ومتى ضاق على الناس الطعام ولم يوجد إلا عند من احتكره ، كان على السلطان والحكام من قبله أن يجبره على بيعه ، ويكرهه عليه ، ولا يجوز له أن يجبره على سعر بعينه ، ولا أن يسعّر عليه ، بل يبيعه بما رزقه الله تعالى ، ولا يمكنه من حبسه أكثر من ذلك ( 3 ) .
السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 336
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٣٣٦
هامش
( 1 ) - المصدر السابق نفسه .
( 2 ) - قارن النهاية : 374 .
( 3 ) - المصدر السابق نفسه .