وهذا الوجه ضعيف ، لأنّ الله تعالى لا يجوز أن يأمر بشرط ، لأنّه عالم بالعواقب وإنّما يأمر الواحد منّا بشرط ذلك ، لأنّه لا يعلم العواقب ، ولأنّ فيه أنّه أمر بما منع منه وهذا عبث ( 1 ) .
وأما شبهة من قال : انّه فداه بذبح ، فدلّ ذلك على أنّه كان مأموراً بالذبح على الحقيقة ، اعتراضاً على الوجه الأوّل ، لأنّ من شأن الفداء أن يكون من جنس المفدي ، فليس بشيء ، لأنّه لا يلزم ذلك ( 2 ) . ألا ترى أنّ من حلق رأسه وهو محرم يلزمه دم ، وكذلك إذا لبس ثوباً مخيطاً أو شمّ طيباً أو جامع ، وإن لم يكن جميع ذلك من جنس المفدي ( 3 ) . وقوله : * ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) * أي الاختبار الظاهر ، وقيل : هو النعمة الظاهرة ، وتسمّى النعمة بلاء والنقمة أيضاً بلاء ، من حيث أنّها سمّيت بسببها المؤدي إليها ، كما يقال لأسباب الموت هو الموت بعينه ( 4 ) .
والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه ، ومنه فداء المسلمين بالمشركين لدفع ضرر الأسر عنهم ، فكذلك فدا الله ولد إبراهيم بالكبش ليدفع ضرر الذبح عنه ( 5 ) . وقوله : * ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ ) * يعني : على إبراهيم * ( فِي الآخِرِينَ ) * يعني أثنينا عليه الثناء الحسن في أمة محمّد لأنّهم آخر الأمم بأن قلنا : * ( سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) * ( 6 ) .