قد بيّنا فيما تقدّم أنّ أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم يدلّ على تفضيله عليهم ، وإن كان السجود لله تعالى لا لآدم ، لأنّ السجود عبادة لا يجوز أن يفعل إلاّ لله تعالى ، فأمّا المخلوقات فلا يستحق شيئاً من العبادة بحال ، لأنّها تستحق بأصول النعم وبقدر من النعم لا يوازيها نعمة منعم ( 1 ) . وقال قوم : انّ سجود الملائكة لآدم كان كما يسجد إلى الكعبة ، وهو قول الجبائي ( 2 ) . والصحيح الأوّل ، لأنّ التعظيم الّذي هو في أعلى المراتب حاصل لله لا لآدم باسجاد الملائكة له ، ولو لم يكن الأمر على ما قلناه من أنّ في ذلك تفضيلاً لآدم عليهم لما كان لامتناع إبليس من السجود له وجه ، ولما كان لقوله : * ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) * وجه ( 3 ) . فلمّا احتج إبليس بأنّه أفضل من آدم - وإن أخطأ في الاحتجاج - علمنا أنّ موضوع الأمر بالسجود لآدم على جهة التفضيل ، وإلاّ كان يقول الله لإبليس : انّي ما فضلته على من أمرته بالسجود لآدم وإنّما السجود لي ، وهو بمنزلة القبلة ، فلا ينبغي أن تأنف من ذلك ( 4 ) .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 295
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٢٩٥
وأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها ولا تَضْحى { 119 } فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى { 120 }
) * الآيات : 116 120 .
هامش
( 1 ) - قارن 7 : 214 .
( 2 ) - نفس المصدر .
( 3 ) - قارن 7 : 214 ، والآية في سورة الأعراف : 12 .
( 4 ) - قارن 7 : 214 .