قال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب قط ، والزكية التي أذنبت وتابت ، أخبر الله تعالى عن موسى وصاحبه الّذي تبعه ليتعلّم منه ، انهما ذهبا حتى إذا بلغا البحر فركبا في السفينة فخرق صاحبه السفينة ، أي شق فيها شقاً ، لما أعلمه الله من المصلحة في ذلك ( 1 ) . فقال له موسى منكراً لذلك على ظاهر الحال : * ( أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ) * أي غرضك بذلك أن تغرق أهلها الذين ركبوها ، ويحتمل أن يكون قال ذلك مستفهماً ( 2 ) . والأوّل أقوى ، لقوله بعد ذلك : * ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) * والإمر المنكر في قول مجاهد وقتادة . وقال أبو عبيدة : داهية عظيمة وأنشد :
فقال له : يا موسى * ( أَلَمْ أَقُلْ ) * فيما قبل * ( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ) * أي لا يخف عليك ما تشاهده من أفعالي ويثقل عليك ، لأنّك لا تعرف المصلحة فيه . ولم يرد بالاستطاعة القدرة ، لأنّ موسى كان قادراً في حال ما خاطبه بذلك ولم يكن عاجزاً ، وهذا كما يقول الواحد منّا لغيره : أنا لا أستطيع النظر إليك ، وإنّما يريد أنّه يثقل عليَّ ، دون نفي القدرة في ذلك ( 4 ) . فقال له موسى في الجواب عن ذلك : * ( لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) * وروي أنّه قال ذلك لما رأى أنّ الماء ليس يدخل السفينة مع خرقها ، علم أنّ ذلك لمصلحة يريدها الله ، قال : * ( لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) * . وقيل في معنى * ( نَسِيتُ ) * ثلاثة أقوال :